#dfp #adsense

وثيقتان أزهرية وإخوانية.. بطعم الربيع

حجم الخط

يمكن القول، بالاستناد الى وثيقة "مستقبل مصر" التي أعلنها شيخ الأزهر الشيخ احمد الطيب في حزيران الماضي، ووثيقة "عهد وميثاق" التي أعلنها الإخوان المسلمون السوريون قبل يومين، من اسطنبول، أننا فعلا أمام متغير نوعي، بطعم الربيع، وأنه متغيّر يتجاوز تعديل الأسلوب، ولو كان التأسيس لمرحلة جديدة يحتاج الى ما يتجاوز الوثائق.

واذا كان ثمة مشترك أساسي بين الوثيقتين الأزهرية المصرية والإخوانية السورية، يتصل بتبني مقولات الدولة الوطنية المدنية الدستورية القائمة على التعددية وتداول السلطة والفصل بين السلطات، فان التمايز بين الوثيقتين يستحق أيضاً الالتفات اليه: فالمؤسسة الازهرية ما زالت متقدمة وبأشواط نوعية عن خطاب الإخوان المسلمين المصريين، في حين ان الإخوان المسلمين السوريين باتوا بوثيقتهم الاخيرة متقدمين على كثير من العلمانيين السوريين، بما في ذلك بعض الاوساط المعارضة.

أما المستوى الآخر من التمايز فهو ان الوثيقة الازهرية تقرأ أيضاً، وربما قبل اي شيء آخر، من زاوية البندين العاشر والحادي عشر فيها المتضمنين تأييد مشروع استقلال مؤسسة الازهر وعودة هيئة كبار العلماء واختصاصها بترشيح واختيار شيخ الازهر والعمل لتجديد التعليم الازهري" و"اعتبار الازهر الشريف هو الجهة المختصة التي يُراجَع فيها في شؤون الدين وعلومه"، في حين ان اهمّ ما في الوثيقة الإخوانية السورية هو الحديث عن"الاسرة السورية الكبيرة" التي تحتاج الى "المصالحة الوطنية الشاملة" والى "عقد اجتماعي جديد" بعد سقوط النظام البعثي الفئوي الدموي.

لسنا اذاً أمام نموذج نمطي واحد للدولة التي تصفها الوثيقتان بالمدنية. الفصل بين السلطات الدستورية يتكامل في الوثيقة الازهرية مع استقلالية المؤسسة الدينية المرجعية من بعد اعادة تعريفها كمؤسسة اجتهادية لا تصادر الرأي. فالاساس التاريخي هنا ان الدولة الحديثة المصرية قائمة، وانه في مكان ما ينبغي "استكمالها"، لكن في مكان آخر ينبغي "احياؤها".

اما الاساس الفكري بحسب نص الوثيقة فيقيم تعارضاً جوهرياً بين الديموقراطية التمثيلية بوصفها "الصيغة العصرية لتحقيق مبادئ الشورى الاسلامية" وبين "الدولة الدينية الكهنوتية" المرفوضة دينياً.
في المقابل، تكفي قراءة الوثيقة السورية للتنبه الى امر اساسي: الدولة المنشودة في سوريا تستدعي التأسيس بما يكاد يكون من عدم، والتأسيس بدوره، يتطلب المزاوجة الضرورية قدر ما هي صعبة بين مهام الثورة وبين شروط المصالحة الوطنية، اثر اسقاط اولى حلقات النظام الفئوي الدموي القائم: العائلة الاسدية المخلوفية التي باتت اسابيعها معدودة في رأس السلطة، خصوصا اذا ما احسنت قوى الثورة السورية استثمار الروحية الإخوانية الديموقراطية، واذا ما احسن الإخوان انفسهم السير قدماً بمندرجات وثيقتهم على صعيد الترابط الكفاحي الميداني والعمل الجبهوي المشترك في المرحلة الانتقالية، واذا تناسب ذلك مع زيادة الضغط الدولي على النظام المتهالك، وفي مقدمة ذلك كلمات اكثر حزما من اي وقت آخر ينطق بها الرئيس الاميركي باراك اوباما، ولا ننسى رفع درجة التنسيق التركي – العربي المحوري…

أمر آخر: الوثيقتان الازهرية والإخوانية السورية تذكراننا كلبنانيين بوثيقة كان لها باع اساسي في تحرير بلدنا من عتمات الوصاية البعثية الكارثية، عنينا بذلك الارشاد الرسولي من اجل لبنان. هي اذا وثائق ثلاث حيوية وفعالة لتسفيه ودحض منطق تحالف الاقليات، ولدفع ابناء الاقليات الى التفكير مجددا في الكيفية التي تمكنهم من الانخراط النوعي والنقدي والمتميز في هذا الزلزال الربيعي العربي. فالمسألة لا تتصل هنا فقط بتحرير ابن الاقلية الفلانية من التفكير الاقلوي او من التفكير التحالفي بين الاقليات، انما بالدفع باتجاه ربيع تجديدي داخل كل اقلية: فالاقلية التي يروج داخلها الخوف من رحيل السجان الكبير، او من قدوم سجان جديد، انما هي ايضا اقلية تسجن نفسها بنفسها من خلال سجن صغير وسجان صغير او مجموعة سجانين صغار، وليست واحة لديموقراطية داخلية مزعومة تخاف على نفسها من ديموقراطية المجموع.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل