حتى الباطل بات يجد من يرحب به، لان مرتكبه ينتمي الى هذه الطائفة او تلك، او الى هذا الزعيم السياسي وذاك التيار. وفي الحالين فان الباطل يبقى باطلا بحسب كل ما يبنى في الكهرباء او في المواد الغذائية واللحوم الفاسدة، بما في ذلك ملفات الهدر والبلع والزلع من نوع المازوت. وما التفكير باستجرار الطاقة عبر البواخر، سوى البحث عن تكديس الاموال الخاصة والتفريط بمالية المواطن والمالية العامة، حيث لم يعد هناك من يحترم السلم الاهلي ومصلحة اصحاب الدخل المحدود!
من اسوأ ما تردد في الاونة الاخيرة، ان مشاكل المواد الغذائية واللحوم الفاسدة والمياه الملوثة في طول لبنان وعرضه، قد ادرجت في وسائل الاعلام المحلية والاقليمية كمادة اساسية في مجال الترويج المتعارض مع كل ما له علاقة بالسياحة والاصطياف والاشتاء والخدمات في لبنان، كأن هناك من لا يعترض على ذلك لان الحاصل السلبي في صلب المخطط السياسي الذي تشتغل عليه بعض الجهات «لابقاء لبنان بؤرة توتر وخزانا للفساد وموئلا للدمار الذاتي»، لاسيما ان المخطط الانف الذكر يحقق للبعض المشار اليه تفريغ لبنان من محتواه العلمي والحضاري والبيئي، مع كل ما يعنيه ذلك من «قتل مالي واقتصادي وبشري واداري في آن»!
لقد سمع اللبنانيون منذ اكثر من شهر عن مواد غذائية ملوثة ومستودعات تضم الاف الاطنان من اللحوم والاسماك الفاسدة، من غير ان يعرفوا ماذا حصل مع المستوردين وتجار الصنف، باستثناء الملاحقة الامنية والقضائية، فيما لم تقتص الدولة من مرتكب واحد لاثبات وجودها ولافهام من لم يفهم بعد ان «هناك استحالة امام تخطي القوانين والانظمة والقواعد التي تحرم تعريض السلامة العامة للخطر». كذلك لم يسمع المواطن عن دور للدولة في سياق المواد الغذائية الملوثة والفاسدة يضع القضاء يده على هذا الملف المخيف اسوة بما حصل ويحصل مع عدد كبير جدا من مهربي المخدرات وتجار الصنف ومثلهم عصابات الخطف والسرقة والتزوير!
صحيح ان الاجهزة والدوائر الامنية والعسكرية تقوم بالمطلوب منها وتعتقل العشرات بل المئات، يوميا من المرتكبين على انواعهم الذين تغص بهم نظارات العدلية والسجون لكن احدا لا يعود يسمع شيئا عن هؤلاء، في ظل الهجمة السياسية والنيابية والمذهبية الشرعة التي تستهدف خفض السنة السجنية، ارضاء لبعض اصحاب الغايات البشعة والنتنة، لان معظم من قد طاولتهم السنة السجنية السخية هم من عملاء اسرائيل ومن المجرمين الخطرين!
حسنا فعل وزير الداخلية العميد مروان شربل عندما تبرع براتبه الشهري وسعى جهده لتأمين بعض الاموال لتغطية متوجبات الافراج عمن استفادوا من خفض عقوباتهم. لكن من الضروري والواجب سؤال معاليه «هل فكر لحظة بنوعية من سيطلق سراحهم وما هي الفائدة المباشرة وغير المباشرة من الخطوة الانسانية – الاخلاقية في حال تكرر الجرم ان كان جناية ام جنحة، لاسيما ان المجرم الانف لم يتعهد بأن يكون عاقلا للرد على مكافأة الدولة له؟!
وعندما يوجه السؤال الى الوزير شربل، فالمسؤولية على من تقع عليه، لكن المواطن العادي و«الاكسترا» كان ينتظر منه مخرجا مشرفا لقانون مشوه ومبتور لم يأخذ في الاعتبار السلم الاهلي ولا منطوق القانون.
فضلا عن ان ما يقال عن ضرورة التخفيف من الاكتظاظ في السجون هو هدف اساسي من وراء خفض السنة السجنية، لا يفي بالغرض حيث لا بد في المقابل من ان تكون تدابير زاجرة ازاء كل من لا يعرف كيف يطبق القوانين او انه قد طبقها بشكل غير سليم، مثلما حصل مع الموقوفين منذ اشهر بتهمة الانتماء الى تنظيمات اسلامية مع العلم ان المتهم يبقى بريئا الى حين لفظ القضاء حكمه عليه!
هيهات ان نسمع وزير العدل مثلا ووزير الاقتصاد والصناعة يشرحون للمواطن الى اين يمكن الوصول بملفات الاغذية الفاسدة والملوثة، كي لا نصل الى مرحلة البحث في منع المحاكمة عن المرتكبين لان الدعم السياسي والحزبي والمناطقي مؤمن لهم، وليس من بوسعه اغضابهم (…) فهل من يسمح لنفسه بأن ينتقم للقانون والمنطق ويعلن استقالة شرف مبررة اخلاقيا ووطنيا وانسانيا؟!