الأربعاء السّادس من الصّوم الكبير
قراءَةٌ منْ مارِ يعقوبَ السَّروجيّ (+521) إِفرحي يا أُورشليم (نشيد أَحد الشَّعانين)
حملَ النَّبيُّ زكريَّا قيثارتَهُ الرُّوحيَّة، وأَسرعَ قدَّامَهُ مُرنِّمًا مُبتهجًا مُتنبِّئًا. شدَّ أَوتارَهُ ورفعَ صوتَهُ مُرنِّمًا: سُرِّي يا ٱبنةَ صهيونَ أَنشدي وٱهتفي: لقدْ جاءَ ملكُكِ!
ها قد وصلَ راكِبًا جحشًا ٱبنَ أَتان. إِفتحي لهُ أَبوابَكِ فهو يأْتيكِ مُتواضعًا. سُرِّي جدًّا وٱفرحي وٱرفعي المجدَ بصوتٍ عالٍ، فها هو آتٍ كما وعدتُكِ في نبوءَتي.
رنَّمَ زكريَّا ابنةِ العبرانيِّينَ لكي تفرحَ معَهُ ولٰكنَّ العروسَ الحقيرةَ لم تُسرَّ حينَ دعاها، بلِ ٱضطربَتْ وٱكتأَبتْ لأَنَّ العروسَ آتٍ ولذا لم تُسرَّ حينَ التقتْهُ.
لقدْ خلَبَ قلبَها الصَّنمُ حبيبُها وأُخِذَتْ بهِ فلم تسمعِ النَّبيَّ يقولُ لها: إِفرحي! كانتْ منهمكةً بخدمَةِ أَوثانِها فلم تكنْ لتهتمَّ بخدمَةِ مجدِ سيِّدِها.
يقرَعُ الأَنبياءُ أَبوابَها العاليَةَ يُوقِظونَها وهي نائمةٌ في حبِّ أُصَيحابِها، وهم كُثز. سُرِّي يا ٱبنةَ صهيون، ولم تُسرَّ عشيقَةُ الصَّنم، بل هي حزينةٌ لأَنَّ وارثَ الآبِ قد أَتى.
في قلبِها الحسَدُ، خرِسَتْ وسكتتْ عنِ التَّسبيح، وشُغِلَتْ بتسكيتِ المُسَبِّحِين. ما ٱكتفتْ بأَنَّها رفضتِ التَّسبيح بلِ ٱجتهدتْ بأَنْ تَكُفَّ الآخرينَ عنِ التَّمجيد.
أُولٰئِكَ يُسبِّحونَ وهي غاضبةٌ منْ أَصواتهِم تُهدِّدُهُم ليُقلِعوا عنِ التَّسبيحِ وهمْ لا يُقلِعون. صاحَ أَشعيا: إِستيقِظي ٱستيقِظي والبَسِي العزَّ وصاحَ زكريَّا: سُرِّي جدًّا وٱفرحي لأَنَّ مَلِكَكِ أَتى.
صاحَ الأَولاد: تبارَكَ الَّذي أَتى بٱسمِ الرَّبّ، وأَرعدَ المجدُ في دربِ الملكِ وفاض. أَمَّا ٱبنَةُ العبرانيِّينَ فرفضتْ أَن تسمحَ لهم: لا لأَشعيا ولا لزكريَّا ولا للأَولاد!
الرّسـالة: 1 تس 4: 1-9
تقديس الطّهارة والحبّ الأخويّ والعمل
1 وبعدُ، أيّها الإخوة، فقد تعلّمتم منّا كيفَ يجبُ أن تسلكوا وترضوا الله، وهٰكذا أنتم سالكون، لذٰلكَ نسألكم ونناشدكم في الرّبِّ يسوعَ أن تستزيدوا أكثرَ فأكثر.
2 فإنّكم تعلمونَ أيّ وصايا ٱستودعناكم بٱلرّبّ يسوع.
3 إنّ مشيئةَ الله هي تقديسكم، أي أن تمتنعوا عنِ الفجور،
4 وأن يعرفَ كلّ واحدٍ منكم كيفَ يصونُ جسدهُ في القداسةِ والكرامة،
5 لا في أهواءِ الشّهوة، كما يفعلُ الأممُ الَّذينَ لا يعرفونَ الله،
6 وألّا يتعدّى أحدٌ على أخيهِ ويستغلّهُ في هٰذا الأمر، لأنّ الرّبّ يعاقبُ على كلّ هٰذه الأمور، كما سبقَ فقلنا لكم وأنذرناكم.
7 فٱلله ما دعانا إلى النّجاسة، بل إلى القداسة.
8 إذا فمن يحتقرُ أخاهُ لا يتحقرُ إنسانًا، بل يحتقرُ الله الَّذي ينمحكمُ روحهُ القدّوس.
9 أمّا المحبّةُ الأخويّةُ فلا حاجةَ بكم إلى أن نكتبَ إليكم في شأنها، فأنتم أنفسكم تعلّمتم منَ الله أن تحبّوا بعضكم بعضًا.
شرح آيات الرّسالة:
1 2 تس 3/6؛ 1 قور 11/2؛ 1 تس 2/13؛ روم 12/1-2.
نسألكم، نناشدكم، في الرّبّ: القسم الثّاني من الرّسالة (4-5) تعليم وإرشاد، وتحريض وتشجيع. يبدأ بولس طلبه الملحّ بفعلين "نسألكم ونطلب إليكم" وبهما أيضًا يُنهي رسالته (5/12، 14). والمطلوب هو السّلوك الحسن وإرضاء الله والنّموُّ المطّرد نحو الأكمل. لا يتكلّم بولس كلامًا بشريًّا عاديًّا بل "في الرّبّ" (4/1؛ 2 تس 3/12)، و "بٱلرّبّ" (4/2)؛ "وبكلمة من الرّبّ" (4/15)، و "بٱسم الرّبّ" (2 تس 3/6). تعليم بولس هو تعليم الكنيسة الأولى حتّى في أبسط الأمور (1 قور 10/31)، مطبوع بطابع المسيح التّاريخيّ الّذي سلّم الكنيسة وصاياه، وبطابع المسيح الحيّ القائم من الموت الحاضر في الكنيسة أبدًا بشخصه هو، وبشخص الرّوح القدس الّذي وهبه الكنيسة ليرشدها إلى ملء الحق، في التّبشير والتّعليم، إلى نهاية العالم.
3 متّى 6/10؛ أف 1/4؛ 1 تس 5/23؛ عب 10/10؛ 1 بط 1/16.
تقديسكم: الرّبط بين مشيئة الله وتقديس المؤمنين فكرة كتابيّة أساسيّة: في العهدين القديم والجديد، القداسة هي أسمى صفات الله، حتّى دُعي بها روح الله: الرّوح القدس. لا تقوم القداسة بالطّهارة وحدها، إنّمَا الطّهارة عنصر أساسيّ في القداسة. والحياة في الشّهوة والفجور ممقوتة لأسباب ثلاثة: "لأنّ الرّبّ معاقب على كلّ هٰذه الأشياء" (4/6)، و "لأنّ الله ما دعانا إلى نجاسة، بل إلى قداسة" (4/7)، و "لأنّ الله أعطانا روحه القدوس" (4/8). فٱلحياة الجنسيّة لا تُترك لحكم الأفراد والجماعات ٱعتباطيًّا. بل تفرض علاقة حميمة بين الله الثّالوث والإنسان المؤمن، هي حياة تحت نظر الله الآب، في ٱتّحاد بٱلرّبّ يسوع، وفي رفقة الرّوح القدس.
أن تمتنعوا: يعبّر بولس عن مشيئة الله والقداسة المسيحيّة بعبارات ثلاث بَدَليّة: "أن تمتنعوا… أن يعرف… ألّا يتطاول…". تقوم الطّهارة أوّلًا بٱمتناع عن كلّ عمل جنسيّ غير طاهر، وهٰذا يفرض تغييرًا جذريًّا كبيرًا في حياة المؤمنين الجدد في تسالونيكي، لأنّ الوثنيّين، وقد كانوا منهم منذ قليل، يعتبرون الحياة الجنسيّة الحرّة شيئًا طبيعيًّا عاديًّا (روم 1/18-32).
4 1 قور 6/12-20؛ 7/2.
أن يعرف…كيف يصون جسده: عبارة بدليّة من "أن تمتنعوا…" والحديث فيها عن مقوّمات الطّهارة. "الإناء" صورة مَجازيّة للجسد، وللإنسان كلّه (2 قور 4/7؛ رسل 9/15)، فٱلمقصود أن يكون الإنسان مسلَّطًا على جسده، فيصون نفسه في الطّهارة، بعيدًا عن الشّهوة والأهواء المنحرفة. و"الإناء" أيضًا، في التّقليد الرّبّينيّ، صورة للمرأة (1 بط 3/7). فٱلمقصود هو الزّواج (تك 2/23-24) المقدّس، بعيدًا عن كلّ فجور، والعيش فيه بقداسة وكرامة.
5 مز 79/6؛ ار10/25.
6 مز 94/1-2؛ تث 32/35؛ سي 5/3.
ألّا يتعدّى أحدٌ على أخيه ويستغّله في هٰذا الأمر: عبارة ثانية بدليّة من "أن تمتنعوا…"، والحديث فيها عن مقوّمات الطّهارة. الفعل "يتطاول" هو فريد العهد الجديد، والفعل "يغتصب" فريد رسائل القدّيس بولس. وإن يكن معنى هٰذين الفعلين، لا يتعلّق لُغويًّا بموضوع الطّهارة، فإنّ ٱستعمالهما هنا، بٱلنّسبة إلى العبارة السّابقة واللّاحقة، لا يمكن فهمه إلّا في نطاق هٰذا الموضوع.
7 2 تس 2/13-14؛ 1 بط 1/15-16؛ يو 17/19.
حرفيًّا "فٱلله ما دعانا على نجاسة، بل في تقديس". دعوة الله القدّوس تقدّس الإنسان. على كلّ إنسان، أيًّا كانت حياته قبل ٱهتدائه إلى الله، أن يبتعد عن كلّ نجاسة، ويسعى بكلّ جهده إلى تقديس نفسه، مطابقًا حياته على إيمانه.
8 لو 10/16؛ حز 36/27؛ 37/14؛ روم 5/5؛ 2 قور 1/22؛ غل 4/6؛ 1 يو 3/24.
يحتقر… يحتقر: ترجمة أخرى "فٱلظالم يظلم" اللّفظة اليونانيّة تعني حرفيًّا "نقض، نبذ، تهاون". فٱلظّالم هنا هو الّذي يرفض عطيّة الله، أي الرّوح القدس. كلّ مؤمن يعيش في فجور، رافضًا وناقضًا ما قدَّم له الرّسول من وصايا (4/2)، خصوصًا في شأن الطّهارة (4/3-7)، يكون رافضًا للرّوح القدس الحالّ فيه؛ والرّوح القدس هو ينبوع القداسة. هنا يبلغ الذّروةَ تفكيرُ بولس في موضوع قداسة المؤمنين.
10 إر 31/33-34؛ آش 54/13؛ يو 6/45؛ 13/34.
الحبّ الأخويّ: هو أيضًا من مُلزمات مشيئة الله. الحبّ في قلوب المؤمنين هو سكب من قلب الله المحبّة. والمحبّة هي الوصيّة العظمى. (متّى 22/38). تعلّمتم من الله: لفظة واحدة في الأصل اليونانيّ، فريدة العهدين. أمّا المعنى فنجده في (يو 6/45؛ آش 54/13؛ إر 31/34). تعلّم المؤمنون المحبّة لا من قراءة كتب العهدين القديم والجديد، بل من الطّاعة لملزمات مشيئة الله في الإيمان بٱلإنجيل على أيدي الرّسل المبشّرين، وعلى نور الرّوح القدس الحقّ الحالّ في قلوبهم.
الإنجيل
لو 11: 37-48
الويلُ للفرّيسيّين والكتبة
37 وفيما هو يتكلَّم، سألهُ فرّيسيٌّ أن يتغذّى عندهُ. فدخلَ وٱتّكأ.
38 ورأى الفرّيسيّ أنّ يسوع لم يغتسِلْ قبل الغذاء، فتعجَّب.
39 فقال لهُ الرّبّ: "أنتم الآن، أيّها الفرّيسيّون، تطهّرون خارجَ الكأس والوِعاء، وداخلكم مملوءٌ نَهبًا وشرًّا.
40 أيّها الجهّال، أليسَ الَّذي صنعَ الخارج قد صنعَ الدّاخل أيضًا؟
41 ألا تَصَدَّقوا بما في داخل الكأس والوِعاء، فيكون لكم كلُّ شيءٍ طاهرًا.
42 لٰكن الويلُ لكم، أيّها الفرّيسيّون! لأنّكم تؤدّون عُشور النّعنع والسّذاب وكلّ البُقول، وتُهملون العدلَ ومحبّة الله. وكان عليكم أن تعملوا بهٰذه ولا تُهملوا تلك.
43 ألويلُ لكم، أيّها الفرّيسيّون! يا مَن تُحبّون صُدور المجالس في المجامع، والتّحيّات في السّاحات.
44 ألويلُ لكم، لانّكم مثل القبور المخفيّة، والنّاس يمشون عليها ولا يعلمون".
45 فأجاب واحدٌ من علماء التّوراة وقال له: "يا معلِّم، بقولِكَ هٰذا، تشتُمُنا نحنُ أيضًا.
46 فقال: "ألويلُ لكم، أنتم أيضًا، يا عُلماء التّوراة! لأنّكم تُحمّلون النّاس أحمالًا مُرهقة، وأنتم لا تمسّونُ هٰذه الأحمال بإحدى أصابعكم.
47 ألويلُ لكم! لانّكم تبنون قبورَ الأنبياء، وآباؤكم هم الَّذين قتلوهم.
48 فأنتم إذًا شهود! وتوافقونَ على أعمالِ آبائكم، لأنّهم هم قتلوهم وأنتم تبنونَ قبورَهم.
شرح آيات الإنجيل:
37 لو 7/36؛14/1.
38 متّى 15/2؛ مر 7/2، 5.
39 متّى 23/25-26.
41 لو 12/33.
تصدّقوا بما في داخل الكأس: ترجمة أخرى "تصدّقوا بما لديكم" (12/33). يختلف نصّ لوقا هٰذا عن النّصّ الموازي في متّى (23/26). يتكلّم يسوع على النّقيّ والنّجس، الباطن والظّاهر، فٱلصّدقة بما في الدّاخل تجاوز لعادات الفرّيسيّين الخارجيّة، ودخول في علاقة روحيّة داخليّة بٱلعالم الوثنيّ، كعلاقة بطرس بٱلقائد الوثنيّ كورنيليوس (رسل 10/28). الصّدقة موضوع غالٍ على لوقا يتفرّد به هنا، وفي (12/33؛ 16/9؛ 19/8؛ رسل 9/36؛ 10/2، 4، 31؛ 11/29؛ 24/17)، ويتلاقى فيه ومتّى ومرقس (لو6/30؛ 18/22؛ 21/1-4). وقد يكون لوقا هو الّذي بدّل النّصّ الموازيّ في متّى (23/26).
42 متّى 23/23؛ أح 27/30؛ لو 18/12.
السّذاب: نبات برّيّ صغير الزّهر، طيّب الرّائحة، ولا تقضي التّوراة بتأدية العشر منه، لأنّه برّيّ، لا جوّيّ (تث 14/22-23).
وكان يجب… ولا تهملوا تلك: أهملت مخطوطات قديمة هٰذه الآية، لأنّ فيها حفاظًا على الممارسات الخارجيّة، وتثبتها أكثر المخطوطات، لأنّ يسوع ما أهمل الممارسات الخارجيّة، بل جعلها في خدمة الرّوح والإنجيل.
43 متّى 23/6-7؛ مر 12/38-39؛ لو 20/46.
44 متّى 23/27.
46 متّى 23/4.
47 متّى 23/29-31.
تبنون قبور الأنبياء: أثبت علماء الآثار صحّة هٰذا التّوبيخ، إذ اكتشفوا قبورًا فخمة للأنبياء يعود عهد تشييدها إلى أيّام هيرودس الكبير، أي إلى زمن غير بعيد.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.