كتبت سابين عويس في صحيفة "النهار":
بقدر ما تكافح مكونات الحكومة الميقاتية من أجل تجاوز مطبات الملفات المتفجرة في وجهها حفاظاً على ديمومتها، وتأمينا لاستمرارها حتى الانتخابات النيابية المقبلة، (ولم يعد على أجندتها حاليا إلا العمل للفوز بالاكثرية النيابية لإبقاء السلطة في يدها)، تجهد المعارضة في إعادة ترتيب بيتها الداخلي وصياغة خطابها للمرحلة المقبلة بعد حقبة من الترقب استنزفت فيه الكثير من مقومات وجودها والمكاسب المحققة.
وعلى رغم أن إداء الحكومة والتناقضات الحادة بين أركانها تشكل عوامل محفزة للمعارضة للانقضاض عليها، فإنها لا تزال تحتاج إلى اكتمال المعطيات التي تتيح لها إسقاط الحكومة. وثمة أكثر من قراءة في أوساط المعارضة لطريقة مقاربة الملف الحكومي. فهناك من يعتقد ان آن الأوان قد حان لاسقاط الحكومة تمهيدا لإعادة خلط اوراق المعادلة السياسية القائمة والتحضير للإنتخابات النيابية المقبلة، كما ان هناك من يعتقد بأن الظروف ليست مؤاتية حتى اليوم لتحقيق هذا الهدف وأن النتائج غير مضمونة. فالمعارضة غير قادرة اليوم بالاقلية التي تمثلها في مجلس النواب على طرح الثقة بوزير، فكيف الحال بالنسبة الى طرحها بالحكومة؟ ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن المعارضة يجب ان تفيد في الوقت المتبقي حتى بلورة المشهد الاقليمي، من الحكومة المستمرة بفعل الامر الواقع وغياب البدائل، من أجل تحقيق مشاريع أو مطالب تصب في النهاية في مصلحة الأقلية باعتبار أنها في الاساس صاحبة هذه المشاريع و"أم الصبي"، بما انها هي التي طرحتها وبادرت الى وضعها ولم يتسن لها تنفيذها عندما كانت في السلطة من جراء سياسة التعطيل والاستهداف التي تعرضت لها. وليس إقرار مشروع الاتوستراد الساحلي أوتسوية الحسابات المالية الا نموذجا لما يمكن وصفه بسياسة "التواطؤ" لتسجيل النقاط.
أي من الرأيين سيكون الاكثر ترجيحا في المرحلة المقبلة، وأي طريق ستسلك المعارضة؟
تؤكد مراجع سياسية بارزة لـ"النهار" أن من الخطأ تحميل فريق الرابع عشر من آذار وزر حال الترقب التي عاشتها البلاد خلال العام الماضي والتي اتهمت فيها هذه القوى بأنها تراهن على سقوط النظام السوري، طارحة السؤال عما إذا كانت مهيأة للحكم بعد سقوطه، وما ستكون سياستها إذا لم يسقط – علما أن قلة قليلة في 14 آذار تأخذ في الاعتبار هذه الفرضية – ذلك ان سقوط النظام بالنسبة اليها ليس سوى مسألة وقت، وسيكون سقوطه بالنقاط وليس بالضربة القاضية.
وتؤكد هذه المراجع أن خطاب 14 آذار لم يتغير، وإذا كان تحقق منه الكثير منذ نشوء هذه الحركة فلا يزال هناك الكثير ايضا من العناوين التي لم تتحقق. وأكثر ما بات يقلق هذه القوى بعد خروجها من الحكم بفعل سلطة السلاح أن هذا السلاح بات متحكما بالحياة السياسة وإدارة الشأن العام ما أدى ويؤدي الى تلاشي دور الدولة ومؤسساتها. وهذا ما يجعل المطالبة بنزعه مستمرة وفي سلم أولويات الفريق الآذاري إلى جانب مطلب إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، خصوصا بعد حال التردي والعجز عن ادارة شؤون الناس الذي ظهر جليا مع تولي قوى 8 آذار السلطة.
ولا تخفي المراجع انزعاجها من غياب حس المسؤولية داخل الحكومة حيال الملفات الاساسية التي تعني المواطنين، مشيرة الى أن مكامن الوجع باتت متعددة وتراوح بين ما هو سياسي وامني وما هو مالي وإقتصادي، متسائلة هل تدرك القوى الحاكمة ماذا تعني الملفات الفضائحية المفتوحة في وجهها وعجزها عن معالجتها، أو ما يعني ان تلجأ وزارة المال الى تغطية إكتتاباتها الاسبوعية عبر المصرف المركزي؟ أو ما يعني أن يكون نمو الدين العام أكبر من النمو الاقتصادي؟
وإذ تبدي أسفها لكون الحكومة انغمست في لعبة تضارب المصالح، أشارت إلى أن بقاءها لن يكون بقوتها الذاتية بل نتيجة للظروف في ظل عدم وجود بدائل، متوقعة ان هذا الامر لم يعد بعيدا.
هل هذا يعني ان المعارضة عقدت العزم على إسقاط الحكومة؟ ترد المراجع بالقول أنه لم يعد ممكنا ان تعمر هذه الحكومة كثيراً، كاشفة أن المعارضة لن تقبل بها لخوض الانتخابات. وتقول: "سنواجه الحكومة بقسوة، ونحن حتما ضدها ولكننا لن نساهم في الاجهاز عليها الا عندما يصبح الامر متاحا".
ماذا يعني هذا الكلام وكيف يترجم؟ ترد المراجع قائلة بأن الحل يكمن في قيام حكومة انتقالية مهمتها الاعداد للانتخابات.
ولكن من يرأس هذه الحكومة؟ لا تقفل المراجع الباب أمام عودة الرئيس ميقاتي الى ترؤس الحكومة "ولكننا لا نفتحه كذلك. وما هو مؤكد وحتمي بالنسبة الينا هو أننا لن نقبل في أي حال بهذه الحكومة لإدارة الانتخابات. المهم اننا لن نيأس ولا نراهن على العوامل المحيطة وندرك في الوقت عينه دقة الظروف وحراجتها لكن هذا لا يعني أن نسلم بها ونستسلم لها، لأن حال البلاد والعباد لم تعد تتحمل!".