أجمل ما وصفت به زيارة قاتل الاطفال في سوريا لبابا عمرو قبل يومين ما صدر في جريدة "لوموند" الفرنسية الرصينة حيث قالت: "ان القاتل يزور مسرح الجريمة مرتين، مرة عندما يقتل وثانية ليتحقق من الجريمة". وأبشع وصف للزيارة ورد في معلقات لانصار النظام في سوريا ولبنان تزعم انها زيارة الانتصار!
اي انتصار؟ اهو الانتصار على حي بابا عمرو الذي شرد اهله البالغ عددهم قبل مرور فرق الموت اكثر من خمسين الفا، وما وجد قاتل الاطفال خلال زيارته اكثر من عشرين شخصا جيء بهم لعرضهم على شاشات التلفزة يحدثون بشار الاسد ومن حوله مئة من المرافقين مدججين بالسلاح وبعض الجنود الذين جرى تلقينهم ما وجب ان يقال في حضرة كبيرهم. لقد كان المشهد مخزيا ومعيبا ويشير الى غربة حقيقية من قاتل الاطفال عن حقيقة وطن بأسره. هكذا ينتهي الامر بالطغاة والقتلة في غروبهم، لا يعود يربطهم بالحقيقة اكثر مما يقال لهم في غرف مغلقة تتم فيها تصفية كل الحقائق. هكذا انتهى الامر بكبار الطغاة مثل صدام ومعمر وقبلهما تشاوشيسكو اذ عاشوا حتى آخر اللحظات وفي ظنهم ان الشعب يحبهم ويريدهم وان قتل وظلم الطغيان انما يصيبان فئة ضالة ليس إلاّ.
لا نقول هذا الكلام في معرض تبرئة قاتل الاطفال في سوريا، ولا كي نُبيّن انه ما كان مسؤولا عن قتل آلاف السوريين بينما كان محيطه يقتل ويدمر من غير علمه. بل نقول هذا كي نشدد على الواقع المخيف الذي يدركه الطاغية في المراحل المتقدمة من تحلل النظام والقوة التي يستند اليها. ولمن يشك في ما تقدم نحيله على مسلسل الرسائل الالكترونية التي اميط اللثام عن قسم ضئيل منها وهي تشير الى حقيقة ما يعتمر في نفوس القتلة ومحيطهم من لامبالاة واستهتار فيما هم ينفذون احدى اكبر المجازر في حق شعب أعزل منذ زمن بعيد.
سألت صديقا شاميا عن اوضاع عاصمة الامويين في الاسابيع الاخيرة، قال: "دمشق ليست دمشق التي تعرفها ونعرفها. الناس قلقون مما هو آت ومعظم القوى البورجوازية التي يظن النظام انها تقف خلفه تنتظر لحظة السقوط وتتوقعها، فهي تشعر بخوف كبير مصدره اركان النظام ومحيطهم العائلي الذين يتهيأون منذ مدة لاحتمال مغادرة العاصمة على عجل. ان العاصمة هادئة في وسطها ولكنها محاصرة بصدامات كبيرة، وثمة شعوراً بأن الثوار صار لهم موطئ قدم حقيقي حتى في قلب دمشق التجاري". سألت شخصية سياسية لبنانية كبيرة ومعروفة باتزانها عن توقعاته بشأن النظام في سوريا، فقال: النظام لن يسقط بضربة قاضية بل بالنقاط، ولكن لا نعرف في اي جولة. اما عن نقاط كوفي انان الست فكل بند منها هو وصفة لإسقاط النظام، لذلك لن يحترموا الاتفاق وسيستمر القتال في كل مكان وستتواصل الثورة حتى النهاية.
اما نحن فنقول: وبئس المصير!