كتبت رحاب أبو الحسن في صحيفة "اللواء":
لاقت وثيقة «الإخوان المسلمين» في سوريا «عهد وميثاق» «ردود فعل مرحبّة وارتياحا تجاه ما تضمنت من «تطمينات» للمجتمع الداخلي والخارجي ولا سيّما للطوائف الأخرى، ورؤيتها للوصول إلى «دولة مدنية تعدّدية».
وفي لبنان حظيت هذه الوثيقة بترحيب من القيادات السياسية المناهضة للنظام السوري ولا سيما المسيحيين منهم، الذين انقسموا في موقفهم من الثورات العربية، فمنهم من اعتبر ان المطلوب دعم هذه الثورات بلا أي تحفظ، لأن هذا هو الموقف المسيحي المبدئي الداعم للحريات وحقوق الانسان والرافض للاستبداد والديكتاتورية، وبين من يبدي تخوفاً من نتائج هذه الثورات ووصول الاسلاميين إلى الحكم، ما قد يؤدي الى انعكاسات سلبية على دور وموقع المسيحيين في لبنان والشرق.
ولقد برز الخلاف في الأوساط المسيحية بشكل لافت من خلال التباين في المواقف بين مسيحيي 14آذار والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي الذي اطلق عدداً من التصريحات التي تضمنت ابراز المخاوف من وصول الاسلاميين المتشددين إلى الحكم والتحفظات على ما يجري في سوريا من احداث والتي قد تنعكس سلباً على مصير المسيحيين.
لكن اليوم ومع صدور وثيقة «عهد وميثاق» التي تقول بدولة مدنية حديثة وديموقراطية وتعددية وتداولية وذات نظام جمهوري نيابي ودولة مواطنة ومساواة يحق لأي مواطن فيها الوصول إلى أعلى المناصب ويتساوى فيها الرجال والنساء وتتمتع فيها المرأة بحقوقها كاملة، ودولة تلتزم بحقوق الإنسان وتقوم على الحوار والمشاركة حيث لا استئثار ولا إقصاء ولا مغالبة ويكون فيها الشعب سيد نفسه وصاحب قراره وهو الذي يختار طريقه ويقرر مستقبله دون وصاية من حاكم مستبد أو حزب واحد أو مجموعة متسلطة.
وأيضاً دولة تحترم المؤسسات وتقوم على أساس فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ودولة تعاون وأُلفة ومحبة تنبذ الإرهاب وتحاربه وتحترم العهود والمواثيق والمعاهدات الدولية ودولة العدالة وسيادة القانون لا مكان فيها للأحقاد ولا مجال فيها لثأر أو انتقام، مع ضمان لحرية الاعتقاد والعبادة وحرية التفكير والتعبير وحرية الإعلام والمشاركة السياسية وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، دولة لا يُضام فيها مواطن لا في عقيدته ولا في عبادته ولا يضيّق عليه في خاصٍ أو عام من أمره.
هذا الكلام الذي اعتبره خبراء السياسة موقفا متقدما جدا من «الإخوان المسلمين» لإسقاط ذريعة من ذرائع النظام بإعادة تصويب المسائل عبر تظهير رؤيتهم السياسية وتطلعاتهم لسوريا المستقبل.
الكتائب
وفيما رفض «التيار الوطني الحر» إبداء أي قراءة للوثيقة «تحت حجة عدم قراءتها بعد للتعليق عليها» وهو الجواب نفسه الذي حظينا به من أكثر من نائب في «التيار الوطني الحر» فإن حزب الكتائب كان من أكثر المرتاحين لما تضمنته من «تطمينات» للمجتمع الداخلي والخارجي ولا سيّما للطوائف الأخرى، ورؤيتها للوصول إلى «دولة مدنية تعدّدية».
وهو ما أكّده لـ«اللواء» عضو المكتب السياسي في حزب «الكتائب» ساسين ساسين الذي قال: ننظر بارتياح إلى وثيقة الإخوان المسلمين، ولا سيّما الشق المتعلّق بقضايا حقوق الإنسان والتعددية والديمقراطية والدستور والدولة المدنية والمساواة التي حين تطبّق ستطبّق على المسلمين والمسيحيين من أبناء الشعب السوري في حال تغيير النظام، معتبرا أنه لا يمكن في ظل صدور هذه الوثيقة المتقدمة بطروحاتها الا أن نبدي موقفا إيجابيا، إلا أن النيات تبقى بالأفعال».
ورأى ساسين أن الحكم النهائي على هذه الوثيقة مرهون بما سيحصل لاحقا «لكن بحسب إعلان النيات الذي صدر لا يسعنا الا تأييد ما ورد فيها من مواقف لاسيما بعدما تزايدت المخاوف من وصول الإسلاميين والأصوليين إلى الحكم».
وعن موقف المسيحيين في لبنان من المد الإسلامي في العالم العربي وبروز حالة القلق المسيحي على المصير جرّاءه أشار ساسين إلى أن الإسلاميين وصلوا الى الحكم في دول الثورات بالانتخابات وحصلوا على الأكثرية، عازيا اكتساحهم للحياة السياسية الى حالة الكبت والقمع التي عانى منها الناس على مدى عشرات السنين، لافتا إلى أن نتائج هذا الكبت تظهر اليوم في هذه التوجهات السياسية المغايرة للشعوب، وهي مسألة طبيعية، والحكم على هذه النتائج لن تظهر قبل استلام هؤلاء الحكم، ونحن نعوّل على تطبيق الثورات للديمقراطية وهذه المسألة تحتاج الى وقت.
وتطرق ساسين الى الطرح الذي قدّمه رئيس حزب الكتائب أمين الجميل « الشرعة الإطار « الذي ينص تحديدا على الحكم الجديد للدول العربية بعد الثورات، والقائمة على التعددية والديمقراطية، متحدّثا عن الجولات المكوكية التي يقوم بها الرئيس الجميل في الدول العربية والإقليمية والدولية لتوضيح هذه «الشرعة -الإطار» مذكّرا بوثيقة الأزهر الشريف التي تبنت في مضامينها «الشرعة» التي طرحها الرئيس الجميل للوصول الى الديمقراطية في ظل الثورات القائمة. وقال: نحن مقتنعون بأن الثورات التي قامت من القمع لن تقمع شعوبها.
وحول ما اذا منحت الوثيقة الراحة للمسيحيين الخائفين ولا سيما لبكركي أكد ساسين أن المخاوف كانت موجودة دائما وليس اليوم، وعليه لا يمكننا تبرير ما يحصل من مجازر وقتل ودمار بالمخاوف، إضافة إلى أن وثيقة «إخوان» سوريا جاءت نتيجة إنعقاد مؤتمر المعارضة السورية، و«مؤتمر أصدقاء سوريا « إضافة إلى ما يحصل في مصر، فكلها عوامل عجّلت بصدور الوثيقة، التي من شأنها أن تساهم في تبديد هواجس بكركي.
أضاف: إن هذه الهواجس موجودة، ولكن ليس تحت هذا العنوان يجب أن نبرر القمع والقتل والإرهاب.

واكيم
من ناحيته أكد أمين عام حزب «القوات اللبنانية» عماد واكيم أن «القوات» تقرأ بإيجابية هادئة وثيقة جماعة الإخوان المسلمين في سوريا والتي أكدت فيها الجماعة التزامها «بدولة ديمقراطية تعددية وفق النظام الحديث ونظام جمهوري على أساس انتخابات نزيهة حرة، ودولة مواطنة ومساواة بين المواطنين على اختلاف مذاهبهم ويتساوى فيها الرجال والنساء، ودولة تلتزم باحترام حقوق الإنسان كما أقرّتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية»، مؤكدا ترحيبه بهذا «العهد والميثاق»، وبالأخص فيما يتعلق بلبنان.
وقال: نحن مع الديمقراطية، والإخوان وصلوا الى الحكم نتيجة إنتخابات ديمقراطية، وعلينا القبول بهذه النتيجة، معتبرا أن ما ورد في الوثيقة مريح، والعبرة هي في التنفيذ،وبعدها نبني على الشيء مقتضاه.
وحول ما إذا تركت الوثيقة إرتياحا لدى المسيحيين الخائفين، أوضح واكيم أن الوثيقة تحدثّت عن الإنفتاح والتوافق، ونظام البعث في سوريا عمل على مدى وجوده على زرع الخوف في نفوس كل الناس وكل الطوائف، وهو اليوم يروّج الى خطورة خروجه من الحكم ويحذّر ممن سيأتي بعده في محاولة منه لتأمين إستمراريته، علما أن المسيحيين لم يكن وضعهم في ظل حكم البعث أفضل حالا، وعليه فإن المسيحيين الذين هم أبناء هذا الشرق لا يجب أن يكونوا خائفين، فهم أساسا داعمين للثورة وعليهم كما غيرهم من المسلمين الى الإنتظار لمعرفة طبيعة النظام الذي سيحكم في المرحلة المقبلة، معتبرا أن المواقف التي صدرت عن شيخ الأزهر وإخوان سوريا تطمئن، ولذلك ندعو الى عدم إستغلال هذه المسألة سياسيا وترك الأمور تأخذ مجرا ها الطبيعي لنبني على الشيء مقتضاه في المرحلة المقبلة، لافتا إلى أن النظام القائم حاليا غير مشهود له بالديمقراطية ولا بالتعددية ولا بالحرية لا للمسيحيين ولا للمسلمين حتى نخاف من الذي سيليه.