كتب عمر البردان في صحيفة "اللواء":
يشكّل موضوع الإنفاق المالي أحد أبرز أوجه الخلاف القائم بين قوى «8 و14 آذار» وتحديداً بين تكتل التغيير والاصلاح وتيار المستقبل، بحيث أن الفريق الأول يصرّ على ضرورة تقديم كشف حساب في ما يتعلق بمبلغ الـ 11 مليار دولار الذي أنفقته المعارضة الحالية عندما كانت في السلطة بين الـ 2006 والـ 2010، فيما يرفض الفريق الثاني الموافقة على إقرار مبلغ الـ 8900 مليار ليرة، إذا لم يتم النظر بعين والحدة الى كل عمليات الإنفاق التي جرت خارج الموازنة بين الـ 2006 والـ 2011.
وتفادياً لمزيد من الانقسامات التي كادت تهدد جدياً وحدة مجلس النواب، بعد تمسّك كل من فريقي الأكثرية والمعارضة بموقفيهما من هذا الملف، أخذ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على عاتقه بناء على تكليف من مجلس الوزراء بإعداد صيغة تسوية لعملية الإنفاق المالي، من خلال المشروع الذي تقدّم به وزير المالية محمد الصفدي إلى مجلس الوزراء، في ما يمكن وصفه ببيان يفصّف فيه كيفية الإنفاق المالي من خارج الموازنة بين الـ 2006 والـ 2011.
وإذا كان تكتل التغيير والاصلاح بلسان أمين سرّه النائب ابراهيم كنعان قد أبدى بعض الملاحظات على ما سرّب من مشروع الوزير الصفدي، فإن نواب المعارضة لم يتخذوا موقفاً بعد من هذا المشروع، باعتبار أن كتلة «المستقبل» لم تُشر في بيانها إلى هذا الموضوع، بانتظار الاطلاع عليه بعد عرضه على مجلس الوزراء.
ويقول عضو كتلة المستقبل النائب جمال الجرّاح لـ «اللواء» إن الكتلة لم تتخذ موقفاً من مشروع الوزير الصفدي، لأنه لم يصلها أي شيء بصفة رسمية، باستثناء ما تسرّب إلى وسائل الإعلام حول مشروع قطع الحساب، ولذلك تم التوافق على التمهل في إعطاء موقف، ريثما يصدر المشروع رسمياً عن الحكومة.
ويؤكد أننا في المبدأ مع إجراء قطع حساب بطريقة قانونية وصحيحة، تُبقي الباب مفتوحاً أمام ديوان المحاسبة لإجراء التدقيق اللازم ومراقبة الحسابات، وهذا أمر متعارف عليه ومطلوب، فنحن في المعارضة نؤيد أي مشروع قطع حساب يراعي القواعد المالية والحسابية لأنه يشكّل عند إقراره في مجلس النواب والحكومة أرضية صالحة لاستقامة الوضع المالي العام.
ويُشير الجرّاح إلى أن المعارضة بانتظار أن يقرّ المشروع رسمياً في مجلس الوزراء، سواء بقي كما هو أو أدخلت عليه تعديلات، لكي تعطي رأيها من الصيغة النهائية التي ستصدر عن الحكومة.
ويقول إن موقف تكتل التغيير والاصلاح من هذا الملف يثير الكثير من التساؤلات، فنواب التيار العوني هم الذين أثاروا هذا الموضوع وطالبوا بقطع حساب للإنفاق من خارج الموازنة، وعندما قدّم الوزير الصفدي مشروعه، بدأت تصدر بعض المواقف المعترضة، ما يظهر بوضوح أن هذا الفريق يعيش إرباكاً لا يستطيع الخروج منه أو تجاوزه، لأنهم منذ الأساس يستخدمون هذا الملف مادة للإبتزاز السياسي ضد قوى 14 آذار، مع أنهم يعلمون جيداً أن هناك موازنات قُدّمت من الحكومات السابقة بين الـ 2006 والـ 2010، ونحن نطالب دائماً على أن تقرّ الموازنات وأن تستقيم أمور المالية العامة، ولكن يبدو أن الفريق الآخر لا زال مصرّاً على استخدام قضية الإنفاق المالي كسلاح للضغط على المعارضة والإساءة الى سمعة مرحلة معيّنة.
ولكن مع إقرار قطع الحساب من جانب الحكومة والمجلس النيابي، فإن هذه الصفحة ستطوى، ولهذا فإنهم استبقوا عرض المشروع على الحكومة بتوجيه الانتقادات إلى مضمونه وإبداء الملاحظات حوله. وأنا أسأل هنا كيف يطرحون ملاحظاتهم على المشروع وهم لم يطلعوا عليه بعد؟
في المقابل، فإن أوساطاً نيابية في «التيار الوطني الحر» ترى أن ما سرّب من مشروع الوزير الصفدي لا يمكن اعتباره بمثابة قطع حساب للسنوات الماضية، وهو أقرب إلى محاولة تسوية الأمور بأقل الخسائر الممكنة، وهو أمر لا يمكن القبول به وسيكون لوزراء التغيير والاصلاح الموقف المناسب عند عرض المشروع على مجلس الوزراء لإدخال التعديلات الضرورية عليه، والتي تبرز أهمية تقديم كشف حساب مالي للسنوات المالية لكي تسير الأمور الدولة المالية على أفضل وجه، وكما هو معمول به في كل دول العالم.
وترفض الأوساط اتهامات قوى المعارضة بأن فريق 8 آذار وتحديداً «التغيير والاصلاح» يستخدم المطالبة بقطع الحساب كمادة للابتزاز السياسي، وإذا كانوا يعتبرون أنفسهم «فوق الشبهات» فلماذا لا يتقدمون بالمستندات التي تظهر بوضوح كيفية صرف الـ 11 مليار دولار، وعندها ستتم الإجابة عن كل الأسئلة، وستطوى الصفحة نهائياً، لكن طالما بقي هذا الفريق على موقفه الرافض لتقديم هذه المستندات، فإن الملف سيبقى على الطاولة وستستمر الأكثرية في إثارته لجلاء كافة ملابساته، ولن تقبل بأي عملية «لفلفة» على غرار ما يتم الحديث بشأنه في مشروع الوزير الصفدي أو أي تسوية أخرى خارج الإطار القانوني والدستوري الذي سيضع الأمور في نصابها الصحيح ويضيء على كل الجوانب التي كانت غامضة.