#adsense

إهمال اللاجئين والنازحين… مشاركة في ارتكاب جريمة ضدّ الإنسانية

حجم الخط

كتب المحامي الدكتور أنطوان أ. سعد في صحيفة "الجمهورية:

يوم رفض بعض الأساقفة والكهنة التابعين لعدّة كنائس وأديرة في رواندا من استقبال النازحين من قبيلة التوتسي Tutsis أو حتى حمايتهم من اضطهاد مُعرّضين له من قبيلة Hutus، وقد أدّى هذا الامتناع إلى حصول مجازر بشريّة كبيرة في صفوف قبيلة Tutsis، وبعد نشوء المحكمة الخاصة برواندا، ادَّعى المدّعي العام لديها على ستّة أساقفة وكهنة وهم:Hormisdas Nsengimana, Emanuel Rukundo, Athanase Seromba, Elizaphan Ntakirutimana, Wenceslas Munyeshyaka, Samuel Musabyimana,

راجع:Stephanie Moupas: L 'Essentiel de la justice pénale international, édit., Les carrés, Gualino éditeur. P. 82 et 90.

وقد لوحق هؤلاء على أساس المشاركة في ارتكاب جريمة الإبادة والتحريض عليها. طبعاً إنّ هؤلاء ليسوا مسؤولين عن كلّ الضحايا الذين سقطوا في رواندا وهم بحدود /800.000/ قتيل، إلّا أنّ مجازر عدّة وقعت بالقرب من هذه الأديرة والمدارس التي كان هؤلاء الأساقفة والكهنة ممتنعين عن إيواء الهاربين منها، وقد بنيت هذه المسؤولية على أساس المشاركة في ارتكاب جريمة الإبادة، إذ إنّ هذه المسؤولية تتحقّق في حال الامتناع عن الفعل أو حتى التحريض على ارتكاب جريمة، الأمر الذي يؤدّي إلى وقوع ضحايا.

وبين ما نصّت عليه ديباجة ميثاق الأمم المتحدة على التأكيد على "الإيمان بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد، وأن نأخذ أنفسنا بالتسامح وأن نعيش معاً في سلام وحسن جوار كما ورد في المادة الأولى "وجوب تعزيز احترام حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية…" وكذلك ما تنصّ عليه الشرعة الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تتيح لكلّ فرد التمتّع بهذه الحقوق وتمنع حرمان شعب من وسائله المعيشية الخاصة…

وبين ما تنصّ عليه النصوص التي ترعى عمل وكالة الإغاثة الدولية والدول المتعاهدة معها، وما نصّت عليه الفقرة "ب" من الدستور مقدّمة الدستور بأنّ "لبنان … عضو مؤسّس وعامل في منظمة الأمم المتّحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وما تنصّ عليه القوانين اللبنانية من وجوب عدم تسليم اللاجئين السياسيّين وبالتالي رفض طلبات الاسترداد إذا تعلّق الأمر بجريمة ذات طابع سياسي /م34/ من قانون العقوبات وما يليها،

فإنّ الدستور السوري ذاته قبل وبعد التعديل في المادة /34/ منه أكّد على عدم وجوب تسليم اللاجئين السياسيّين، فيما السلطات اللبنانية عمدت إلى تسليمهم (في بداية الثورة) وهم كانوا معرّضين للقتل والاغتيال السياسي !!!

وبين هذه وتلك وترابط مسألتي إهمال وجود هؤلاء النازحين من قِبل السلطات الرسمية، وما كانت تقوم به لجهة تسليمهم إلى السلطات السوريّة، وصل الأمر إلى حد ملاحقة هؤلاء واعتقالهم من قِبل حرس السفارة السوريّة في لبنان من دون تفويض من أيّ جهة قضائيّة أو حتى تسلسليّة !!! كما تناقلت هذا الخبر معظم وسائل الإعلام، فإنّنا نعتبر أنّ الامتناع عن تأمين أبسط الحقوق الأساسية لهؤلاء لجهة إحصائهم وإيوائهـم وتأمين البديهيّات لمستلزمات العيش من مأكل ومسكن وتعليم… إنّما يرتّب مسؤولية إنسانية على من يشغل السلطة اليوم في لبنان، بالإضافة إلى المسؤولية القانونية وفقاً للمبادئ التي أشرنا إليها إذا ما ترتّب عن هذا النمط من التعاطي معهم أيّة أضرار تأخذ طابعاً جماعيّاً، إذ تشكّل هذه الأفعال مساهمة في ارتكاب جرائم الإبادة والجرائم ضدّ الإنسانية وفقاً لما نصّت عليه المواد /6 و7/ من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهذه الجرائم التي باتت مؤكّدة أنّها مرتكبة من قِبل السلطات السورية التابعة لبشّار الأسد، سواء من خلال الأعمال الحربية أو من خلال تعمّد فرض أحوال معيشيّة من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء بقصد إهلاك جزء من السكّان، إضافة إلى التعذيب البدنيّ والعقلي والاضطهاد…

ولئلّا نُعتبر شركاء في هذه الجرائم، مسؤولين كنّا أم مواطنين لبنانيّين، فإنّ هناك مسؤولية إنسانية تاريخية ملقاة على عاتقنا ولا سيّما على الحكّام منّا، فلا تجعلوا لبنان الرسمي يلوّث يديه فيها، بل نتصرّف وفقاً لأبسط قواعد القيم الإنسانية والقانونية ونتّعظ ممّا ذكر…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل