قبل النظام في سوريا خطة المبعوث العربي – الدولي كوفي أنان المؤلفة من ستة بنود، لكنه قبلها وفق ما جاء في رسالة بشار الاسد الى قمة دول "البريكس" في نيودلهي مرفقة بملاحظاته، فضلا عن شرط "اجراء مشاورات شاملة حول التفاصيل المتعلقة بالانتقال من تطبيق عناصر الخطة وفق تفاهم شامل". ويستفاد من كلام بشار انه يحمّل خطة أنان اثقالا جديدة تمنحه مزيدا من الوقت قبل ان يبدأ بتطبيق الشرط الاول والاهم المتمثل بوقف القتل. وعلى جاري العادة التي لطالما اعتمدها الاسرائيليون في مفاوضاتهم مع الفلسطينيين بإغراق الخطط بتفاصيل وتفاصيل تفاصيل وقد تعلم حافظ الاسد من الاسرائيليين هذا النمط في التفاوض ايضا على جاري العادة يستمر القتل في سوريا والعالم يتفرج من دون ان يفعل شيئا جديا لايقاف المجزرة.
ومع ان خطة أنان تشكل بمعنى من المعاني ضربة للمعارضة السورية وطعنة لشهداء الثورة بتجاهلها بند تنحي الاسد، ومنحها النظام حق تفاوض مع المعارضة وكأن دماء عشرة آلاف شهيد ذهبت سدى في كواليس لعبة الامم، فإن كل بند من البنود الستة يمثل مقتلا لبشار والنظام، اذ ان مجرد وقف القتل وادخال مراقبين دوليين، ومعهم وسائل الاعلام العالمية بحرية تامة، سيمنح السوريين فرصة ذهبية للنزول الى الشارع بالملايين ومحاصرة النظام شعبيا في كل مكان، بدءا من دمشق نفسها. هذا ما يعرفه النظام حق معرفة، ولذلك فإنه يعلن قبولا لفظيا لخطة كوفي أنان ثم يلجأ الى شراء الوقت بالتفاوض على كل بند من البنود، طارحا اشتراطات من قبيل المطالبة بتجفيف منابع دعم ما يسميه "الارهاب" تمويلا وتسليحا! ويعلم كوفي أنان ان بشار يحاول التشاطر وكسب مزيد من الوقت أملا في سحق الثورة عسكريا قبل الوصول الى طاولة المفاوضات، وخصوصا انه ربح نقطة جوهرية من خلال خطة أنان التي تعاملت مع النظام باعتباره لا يزال شرعيا، اقله حتى اللحظة. لكن هذا المكسب، على اهميته، موقت ولا يمكن البناء عليه اذا لم يتم سحق الثورة عسكريا وبسرعة، وهذا بالتحديد ما يستحيل على بشار وجنرالاته تحقيقه في ظل التوازن الذي تؤمنه البيئة الشعبية الحاضنة للثورة في معركتها ضد اعتى الانظمة المشرقية قوة وتسليحا وهمجية في القتل. فانعدام التوازن في السلاح والقدرات العسكرية يقابله مدد شعبي هائل وتصميم ملايين السوريين على التخلّص من بشار وبطانته، وانهاء مراسم دفن "جمهورية حافظ الاسد".
ان الاسابيع المقبلة مفصلية على اكثر من مستوى: بداية لجهة لملمة شمل المعارضة بشكل نهائي، ويتوقع ان يكون مؤتمر اصدقاء سوريا يوم غد مناسبة لابراز مشهد معارض جدي. ثم يأتي دور استكمال اجراءات تمويل وتسليح الجيش الحر كي يصير قوة ميدانية قادرة على منع جيش الاسد من سحق الثورة، ومواصلة شق جيشه من الداخل. وتبقى المفارقة ان كل الاطراف يوافقون على خطة أنان ويعملون على أساس أنها فشلت قبل أن تبدأ.