رغم أن "التسوية الكهربائية" غير السويّة رست في مجلس الوزراء، في انتظار أن ترسو بواخرها في الموانئ، وتستقر عمولتها في الجيوب، كان لافتاً أن الرئيس نجيب ميقاتي لم يطوِ صفحة العرض الإيراني المغري لتزويد لبنان بالطاقة، بل أبقاه حياً يرزق، بتأكيده لبرنامج "كلام الناس" أن "لا قرار سياسياً لرفض العرض الإيراني حول الكهرباء إذا لم يعرّض لبنان لعقوبات دولية"، في موازاة قوله: "سنبحث كل العروض والذي يعطينا عرضاً أفضل مستعدون لقبوله"!.
إذاً، لم ينته البحث في أزمة لن تنتهي قبل أن يحقق "حزب الله" ما يريده منها. فصل القصة أن الوزير جبران باسيل نال بعض ما يشتهيه من الكهرباء، أما أصل القصة، كما بدات تتكشف، فهو أن ميقاتي "سيبحث" في محرك "حزب الله" عن عرض أفضل لقبوله، فكيف بعرض إيراني يُسوقه الحزب في إعلامه، من سفيره وأخباره الى مناره، على أنه أقرب الى "الهبة" من "الصفقة"، بل "أكثر استراتيجية ووفرة في الطاقة وتوفير في المال العام"، و"جاهز للتنفيذ بعد أسبوع من الطلب اللبناني" كما يؤكد السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي.
طبعاً، لا يسع المواطن اللبناني إلا أن يشكر "غيرة" الجمهورية الإسلامية في إيران، وسعيها الى إنارة وطنه من ظلام لـ"وجه الله"، لكنه سرعان ما ينأى بنفسه عن رومانسية الموقف، ليقف عند حقيقة أن رجال ايران في لبنان يتحملون مسؤولية ما نعانيه من أزمة مزمنة.
كيف لا، وهم الذين سُجلت وزارة الطاقة والمياه باسمهم منذ التسعينات، قبل أن ينقلوا ملكيتها الى حليفهم "التيار العوني" لإرضائه، بعد أن تنصلوا من مسؤولية الحد من الأضرار وإصلاح القطاع، لا بل واجهوا كل الخطط الإصلاحية للرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأشرفوا على إفساد القطاع أكثر وأكثر، إن برعايتهم للمافيات، أو بتغطيتهم السياسية لمناطق من غير المسموح لـ"مؤسسة كهرباء لبنان" دخولها، كما هي حال الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل "حزب الله"، ما جعل واقع الكهرباء يتدهور من سيئ الى أسوأ، في سياق مشبوه وغير بريء.
ورُب سائل عن "توقيت" الغيرة الإيرانية على لبنان، لماذا اليوم؟ واين كانت في الماضي؟
حتماً، جواب "حزب الله" أن إيران تريد مساعدة لبنان بكل "نية طيبة" ليس مقنعاً أبداً، بل يحمل في طياته "ألغاماً" يشرف الحزب على زرعها في الطريق الى تنفيذ الأجندة الإيرانية بـ"ارتهان" لبنان، ليس فقط بقوة سلاحه الذي يعطيها امتيازاً في السياسة، وعلى الأرض، وصل حد أن يتباهى قائد فيلق "القدس" بأن جنوب لبنان تابع لإيران، بل بما يتجاوز السياسة الى تأمين التغلغل الإيراني في المجتمع اللبناني حياتياً، على شاكلة هبات ومساعدات ومناقصات لشركات، كما يبدو من قصة عرض الكهرباء، وكما بدا من قصة الهبات الإيرانية لإقامة سدود للمياه.
بهذا المعنى، لا يجوز الاستخفاف بأهمية العرض الإيراني "الملغوم"، طالما أن قيمته الاستراتيجية كبيرة بالنسبة الى الجمهورية الإسلامية، في توقيت هو الأنسب لها، في ظل حكومة الانقلاب التي يرعاها عبر "حزب الله"، والذي يرى أن الوقت لم يحن لإسقاطها، لأنها لم تنه خدمتها لمشروعه بعد.
لكن اليوم، بعد أن أشرف "الإيراني" مع حليفه السوري على إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري التي لم تجارِ الجمهورية الإسلامية في تنفيذ شهواتها، كما الحكومات السابقة، تبدو "اللقمة أقرب الى التم"، إذا ما قرر ميقاتي أن يأكل "الطعم الإيراني" على مائدة "حزب الله"، كما أوحى كلامه لبرنامج "كلام الناس".
فإذا كانت الحكومة جاءت لتكون مساحة خلفية لهروب النظام السوري من أزمته الداخلية والخارجية، فعلى ما يبدو، أن الحكومة ليست بعيدة عن توسيع نشاطاتها لتكون أيضاً ساحةً خلفية لهروب وتهريب المال الإيراني بعيداً عن عيون العقوبات الدولية.