الذين يتحدّثون عن بقاء النظام في سوريا وتجاوزه مرحلة الخطر إنما يعبّرون عن أمنياتهم الذاتية ولا ينقلون الواقع كما هو على الارض بحقيقته وتفاصيله ومقتضياته. فالتمنّي شيء والواقع شيء آخر، وشتّان ما بين الاثنين.
ثم هناك حركة التاريخ التي لا يمكن أن تعود الى الوراء، وبالتالي لا يمكن أن يبقى هذا النظام الذي يبيد شعبه ويدمّر بلده ويكلف الجيش أقذر مهمة يمكن أن تؤدّيها قوات مسلحة في التاريخ… فهذه القوات من جيش وقوى أمنية وسواها مهمتها الدفاع عن البلاد والعباد، وليس ما تقوم به بأمر النظام من قتل وتدمير قائمين على حقد النظام على الشعب، ما أسفر عن نحو عشرة آلاف قتيل، وعشرات ألوف الجرحى، ودمار غير مسبوق متنقل من مدينة الى مدينة، ومن ريف الى ريف، ومن بلدة الى بلدة، ومن قرية الى قرية، ومن حي الى حي آخر، حتى ليشمل هذا النظام بـ»بركاته» البلد الشقيق كله من أقصاه الى أدناه.
وليس صحيحاً أنّ موقفي الصين وروسيا يعبّران عن الرأي العام والعواصم الدولية، والعكس صحيح، فهما أقلية دولية ضمن أكثرية لم تعد ترى في هذا النظام سوى أنّه استنفد قدراته كاملة، وحقق «إنجازاته» كلها، وأهمها آخرها أي مواجهة الشعب الأعزل بالاسلحة كلها من طائرات ودبابات وراجمات صواريخ ومدفعية.
فمن المستحيل أن تكتب الحياة لهكذا نظام.
قد تأخذ الأمور مزيداً من الوقت لتنضج، خصوصاً ريثما يكتمل المشهد البديل، إلاّ أنّ النتيجة محسومة وهي بالضرورة وبالمنطق: انتصار إرادة الشعب على جلاّديه.
ومن المعلوم أنّ هذا النظام أُعطي ما لم يُعطَ أي نظام آخر في «الربيع العربي»: أُعطي مراحل كثيرة ومهلاً أكثر ليتدبّر أموره ويلبّي مطالب شعبه بالحرية والكرامة ومبدأ تداول السلطة، ولكنه لم يفعل، فأسقط المبادرات كلها، وفشّل الحلول كلها، ودفع العرب (مجتمعين) الى أن يطلبوا التدويل.
وتبقى كلمة أخيرة: كم كان المشهد مؤثراً أمس في تشابه مروّع: هناك، في فلسطين المحتلة، جيش الاحتلال يطارد الشعب الآمن المنتفض لكرامته، وفي الجانب الآخر النظام يطارد الشعب الأعزل.
وإنّها لمفارقة مؤلمة!