اليوم بلغت "القوّات اللبنانيّة" سنّ الحكمة وليس سنّ الرّشد في ذكرى حلّها الثّامنة عشرة. مع العلم أنّها خاضت معارك إثبات الوجود في زمن الآباء والأجداد حيث كانت يومها راشدة وتحمّلت المسؤوليّة. تخضرمت بين مقاومة وفكر سياسيّ ففتحت ذراعيها لتحضن ثلج صنّين وأرز الرّبّ.
يسأل المحلّلون من هو القوّاتي اليوم؟ نجيبهم بأنّه من بلغ الثّامنة عشرة من العمر ودخل مرحلة الحكمة مع آباء وأجداد قاتلوا وناضلوا وضحّوا ليصل هذا الجيل الجديد إلى هذه السّنّ، هو القوّاتيّ. وإن بقيت القوات اليوم واستطاعت إجراء هذا التحويل من مقاومة باسلة سطّرت أمجادها في سجلات الشّرف والتّضحية، وذلك بفضل كلّ الذين رحلوا لنبقى.
الجيل الجديد اليوم أنهى دراساته الاكاديميّة مع "القوّات" الحديثة العهد، وانتقل إلى دراساته الجامعيّة التي سبقه إليها آباء وأجداد في جامعات المقاومة اللبنانيّة حيث عُجنوا مع دقيق الشّرف وخُبزوا على نار الوفاء، وبالتّالي تمكّنوا هم من إطلاق الأجيال التي حملت إرثهم إلى الميدان لتزرع أرزاً وقمحاً، فتحصد سنابل حرّيّة وسيادة واستقلال. وما يميّز ربيع "القوّات" هذه السّنة هو تلك العدوى التي تلقّفتها كلّ شعوب المنطقة محوّلة خريف عهودها إلى ربيع أزهر، ويزهر بيلساناً وخزامى لوّنت الخميلة بأسرها.
واليوم "القوّات" أنهت مخاض ولادة حركتها السّياسيّة الذي دام لسنين، لا بل لعقود، أنجبت بعدها الجيل الجديد، والولادة ما أتت الا بعد الآلام، آلام دُفع ثمنها شوك في قلب زوجة جبّارة تمرّست على الصّبر منطلقة من تربية على الرّجاء وإيمان بفكر المقاوم أنّى وجد، فضلا عن حبّ الانتظار، الذي لم ينضب يوما طوال إحدى عشرة سنة، من قائد الى كلّ الرّفاق الذين عبروا إلى الزمن الجديد، زمن الحرّيّة والسّيادة والاستقلال.
اليوم "القوّات" ليست كما كانت بالأمس حركة مقاومة شرفها أنّها حملت السلاح يوم تخاذل من كان يجب عليه أن يحمله لنبقى كلّنا للوطن، بل هي حزب حصد سنابل الأجداد المقاومين من يوحنّا مارون إلى نصرالله بطرس صفير وتابعت مسيرة النّضال، سلاحها اليراع والفكر المسيحيّ الوطني اللبنانيّ الحرّ، الذي لا يقبل أن يبيع شرفه بورقة تين سرعان ما تتهاوى وتسقط عند أوّل اختبار لمفاعيلها. لنبقى نحن لبنانيين أبناء أرز وسنديان وعبق بخور في وادٍ ما انفكّ ينبت قدّيسين عن حقٍّ قدّيسين، وليس كمن يدّعون القداسة ويأخذون الموت طريقا لهم لنشر ثقافة الموت. استمرّت "القوّات" وتابعت المسيرة من النّضال المسلّح ببندقيّة المقاوم إلى يراع المحرّر وفكر المتأمّل المتبصّر والمستشرف لمسقبل أفضل لكلّ اللبنانيين.
ثمانية عشر عاما قضينا معظمها مضطهدين نلاحق إذا شاركنا في محاضرة ثقافيّة تنعش ذاكرتنا الجماعيّة، التي حاولوا عبثًا محوها وتغييرها. وما لم يستطيعوا النّجاح به في زمن الحرب والاضطهاد يعملون عليه جاهدين بتغيير وتحريف حقائق في كتاب تاريخ لن يبصر النّور الا على رفاتنا.
هذه الأعوام زاخرة بالدّماء وبأرواح أطهار، كحّلها عرق من حاك في الجبال الصّخريّة قميصًا بلون الطبيعة الأخضر، ولفّها بلون استخرجه من دمائه البارّة، فكانت أرزة المقاومة اللبنانيّة التي حضنتها الدّائرة الحمراء المنسوجة خيوطها من دماء الشّباب الذين نذروا نفسهم لتبقى هذه الأرزة خضراء. وللحقّ وللحقيقة ما بقيت هذه الأرزة خضراء، الا لأنّها رويت بدماء طاهرة، فالأرز لا يبقى أخضر إلا إذا روي دماً.
اليوم "القوّات اللبنانيّة" تحتفل بذكرى حلّ "الحزب" التي كتبت على ورق ولمرّة واحدة فقط لا غير، عندما كان التّاريخ الأسود الذي كتبته أيدي وصاية جيش سوريّ ونظام أمنيّ يلفظ أنفاسه الاخيرة في محيط تلاقى مع فكر "القوات اللبنانيّة" القائم على الحرّيّة الكيانيّة، ومع فكر ثورة الأرز القائم على تحرير الفكر الانساني انطلاقًا من أرقى الطّرق الحضاريّة التي لم تشهد لها البشريّة مثالا إلا مع الذين نبذوا السّيف سلاحًا أمثال غاندي. فلبنان الجديد هو لبنان القائم على فكر "القوات اللبنانيّة" وعلى فكر ثورة الأرز، لبنان الحرّيّة الكيانيّة والفكر الانسانيّ الحرّ.
فمن لا يقبل هذا اللبنان؟ ومن لا يرى مسيرة تاريخ "القوات اللبنانيّة"؟ ولا يدرك حتّى جهود الحاضر ولا يستشرف آفاق المستقبل، في وطن دفعت المقاومة اللبنانيّة فيه أكثر من مئة وخمسين ألف شهيد توّجوا باستشهاد قائد من قادتهم الأبرار وبصمود قائد حرّ في وجه سجّانيه وبرفاق لم يتخلّوا يومًا عن الأمانة التي وحدها حافظت على وجودهم الحرّ.
اليوم "القوّات اللبنانيّة" تسلّم، في ذكرى حلّها الثامنة عشرة، ليس عن سبيل الصّدفة، الأمانة لجيل جديد ولعيون ساهرة على تربية هذا الجيل على أرقى المبادئ وأشرفها، فمن لم يقبل "القوّات اللبنانيّة" في زمن الحرب لن يقبلها في زمن السّلم، ومن لم نخافه في زمن الحرب لن نخاف أضغاثه في زمن السّلم.
اليوم تتجدّد ولادة "القوّات اللبنانيّة" تنبعث من جديد كفينيق الأرز لتصبح الحركة السياسيّة الرّائدة في مجتمع دفع الثّمن ووقف جنبا إلى جنبها، ومن له أذنان سامعتان فليسمع.