#adsense

أكد في الذكرى الـ 18 لحل “القوات” أن “الحكومة مكهربة ولحمها فاسد ودمها مازوت ونفَسُها ملوّث”…جعجع: “حَلّوا عن أرضنا وسمانا” ونأمل “أن يحلّوا عن ضهر الشعب السوري”

حجم الخط


كتبت كارلا خطار في صحيفة "المستقبل":

بالأمس، أثبت حزب "القوات اللبنانية" في ذكرى حلّه الـ 18 أنه حبة الحنطة التي حاولوا أن يقتلوها في العام 1994 فأتت للبنان بالثمر الكثير!. فالقواتيون كانوا شعلة الإنطلاقة لثورة الأرز التي بدورها تفشّت كالعدوى المتحررة الى الدول العربية التي تعاني من الديكتاتوريات لتزهر ربيعاً في الشعوب وتذبل خريفاً في الأنظمة. بالأمس كان ربيع "القوات"، ربيع حزبهم القائم على الانفتاح والتحرر والديموقراطية والشراكة بين مكونات الوطن.. كان ربيع شرعة الحزب ودستوره الجديد الذي يحمله الى مصاف الأحزاب الديموقراطية في البلدان الراقية. ربيع "القوات" جمع زهوراً "ربعنت" في دول عربية وأخرى على طريق الثورة، من ثورة الياسمين في تونس، الى أم الدنيا في مصر، ثم الحسكة في دمشق، وبعدها ليبيا ومن ثم الى مصر، تجارب حكاها مسؤولون وأشخاص من المجتمع العربي تحاكي نضال حزب "القوات" في لبنان، تخللتها مشاهد مسرحية وأغان ثورية وطنية وأفلام تعرض التاريخ. وأبى رئيس الحزب سمير جعجع إلا أن يختم الذكرى بكلمة مدوية أطلق فيها مواقفه من المستجدات على الساحتين المحلية والعربية، موجهاً رسائل الى مختلف الجهات في الداخل والخارج.

"ربيع شعوب، خريف عهود" عنوان الذكرى الـ 18 لحل حزب "القوات اللبنانية" في "البيال". قدم الحفل المدير العام لإذاعة "لبنان الحر" طوني مراد، وحضره رئيس حزب "الكتائب اللبنانية" الرئيس أمين الجميّل، النواب: جورج عدوان، فريد حبيب، ستريدا جعجع، ايلي كيروز، انطوان زهرا، جوزف المعلوف، انطوان بو خاطر، شانت جنجنيان، سامي الجميّل، جمال الجرّاح، امين وهبي، انطوان سعد، عاصم عراجي، نديم الجميّل، رياض رحّال، نهاد المشنوق، سيرج طورسركيسيان، عمار حوري، عاطف مجدلاني، مروان حمادة، معين المرعبي، هادي حبيش، روبير غانم، فادي الهبر، هنري حلو، فؤاد السعد، نبيل دي فريج، ميشال فرعون، جان اوغاسابيان، باسم الشاب، نعمة طعمة، تمام سلام وممثل النائب بطرس حرب أرنست حرب، الوزراء السابقون: ابراهيم النجار، سليم وردة، طوني كرم، حسن السبع، محمد شطح، محمد رحّال والنواب السابقون: الياس عطالله، كميل زيادة، فارس سعيد، صولانج الجميّل، صلاح حنين ومنصور البون، أعضاء الهيئة العامة في حزب "القوات"، الأمين العام لحزب "الوطنيين الأحرار" الياس بو عاصي، عضو مكتب حزب "الكتائب اللبنانية" ميشال خوري، رئيس "حركة الاستقلال" ميشال معوض، رئيس "حركة التغيير" ايلي محفوض، ممثل المدير العام لقوى الأمن الداخلي العميد سامي نبهان ورؤساء بلديات ومخاتير وحشد من الشخصيات السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية والنقابية والاعلامية، إضافة الى أكثر من 3000 مشارك، مع الإشارة الى أن الدعوات كانت موجهة الى كل الكتل النيابية ومن بينها "التيار الوطني الحر" ولكن لم يحضر من أعضائه.

الحضور

لم يختلف مشهد الصالة عن ساحة الحرية فغطت الصور الكثيرة الجهتين اليمنى واليسرى من الجدران، ومن الأمام منصة خلفيتها صورة عريضة زينتها أعلام لبنان و"القوات" وتوسطها علم 14 آذار. وتوسطت مقدمة المنصة أرزة "القوات" مضاءة.

برنامج الإحتفال بدا منظماًُ وخلا من أي مشكلة، إلا أن العدد غير المتوقع من المدعوين استوجب إضافة بعض الكراسي في الممرات، وساهم في وضعها عضو الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" إدي أبي اللمع. الى ذلك، تم توزيع CD موسيقي يتضمن 3 أغنيات من تقديم بول مبارك، والعدد 50 من مجلة "آفاق الشباب" الصادرة عن الدائرة الاعلامية في مصلحة حزب "القوات" تميزت بغلاف للفنان بيار صادق ومقالات وجدانية وسياسية للمطران أندريه حداد والدكتورة مي شدياق والإعلامي شارل جبور إضافة الى جلسة حوارية مع الكاتب مروان نجار ومقابلات مع شخصيات سياسية بارزة ومع اللجنة المنظمة لذكرى حلّ حزب "القوات". المشهد بدا هادئاً حين كان المدعوون يدخلون لحجز أماكنهم على وقع اغانٍ ثورية خاصة بحزب "القوات" وأخرى ثورية خاصة بلبنان، كلها تستذكر الأيام التي أمضاها جعجع في السجن. أول تصفيق دوى في الصالة كان من نصيب شدياق، ثم تلاها الرئيس الجميل وعدوان الذي حيّا الجمهور.. وتصفيق أيضاً لنديم الجميل.

بعدها أطفئت الأنوار، وخيّمت عتمة خرقها نور أرزة "القوات" أمام المنصة على وقع أغنية خاصة بالحزب تختصر معاناة جعجع في السجن ومرحلة الحزن التي رافقتها وهموم اللبنانيين التي أخرجته. ثم دخل جعجع على وقع تصفيق حاد.

وبعد النشيدين الوطني والقواتي، مثل شباب يمسكون مصابيح خافتة ويرتدون سراويل سوداً وقمصاناً بيضاً مع قبعات زيتية أغنية "محابيس وعتم وليل خليك واعي يا سمير"، مشهد جسد عتمة السجن وانتظار الرفاق في الخارج خروج جعجع منه. ثم اعتلى المنصة الفنان إيلي شويري الذي أدى أغنية "لا تحكوا باسم الحرية وتعطوا شعب بلادي دروس" وردد الشباب مقاطع من الأغنية معه.

ثم بث فيلم مصور بمداخلة متلفزة للأمين العام للمؤتمر من اجل الجمهورية التونسي عبد الرؤوف عيادي الذي أكد أن ثورة "القوات" دشّنت ثورات الربيع العربي وهي ثورة الكرامة والحرية التي امتدت الى بلدان عدة، مشيرا الى أن المصير مشترك وثورة الحرية ستكتسح كل الدول العربية. وحكى عيادي تجربة التونسيين مع المحاكمات والتعذيب والسجن والعزلة بعدما قضى 5 سنوات في السجن، قائلاً: "ان الثورة ليست من فراغ وهي حلقات متصلة من النضال".

ثم تحدث انطوان مراد قائلاً ممازحاً: "قضى عيادي 5 سنوات في السجن بلا زغزة بالحكيم".. وقدّم من مصر "المسلم المنفتح" والنائب في البرلمان المصري عن دائرة قصر النيل ـ القاهرة محمد بو حامد. وعندما تحدث عن مصر اغرورقت عيناه بالدمع على الرغم من أنه حاول أن يخفي احمرارها. وقال ان جعجع هو الملهم فقد ألهم الجميع معنى الثورة، مؤكدا أن لا سلاح سوى سلاح الدولة. ووصف جعجع بأنه "المسيحي المسلم أي رمز الشراكة المسيحية ـ الإسلامية". واعتبر ان "ثورة 25 يناير في مصر وثورة 14 آذار في لبنان تحرك فيهما الشعبان المصري واللبناني للأسباب والآمال نفسها وهي الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية والتعايش والمواطنة العادلة للجميع وحفظ الهوية الوطنية وإستقلال القرار الوطني ورفض هيمنة أي فصيل من فصائل الوطن على المقدرات الوطنية وتجبره لأي سبب من الأسباب دينياً أو طائفياً أو غير ذلك. قامت الثورة هنا في لبنان وفي مصر وأصرت على السلمية فكانت ثورة سلمية لتقهر قوى الظلام الداخلي والخارجي التي تقف بين الشعوب وأحلامها".

بعدها عرض فيلم يحكي قصة صبية سورية مسيحية من الحسكة تعاني من أمراض جراء تعذيب جيش النظام السوري لها ما اضطرها الى تناول الأدوية يومياً للعلاج، بعدما شاركت مع الثوار في الثورة السورية. وحمل حديث هديل بشار الكوكي رسائل عدة الى رجال الدين في لبنان والى الحكومات والطوائف التي تدعم بشار الأسد، مؤكدة أن المسيحيين خلقوا وسيموتون في سوريا. واعتبرت هديل ان "حزب "القوات اللبنانية" المسيحي وقف في وجه الظلم"، عارضةً لتجربتها الشخصية في سوريا وطموحها الى حرية بلدها، فقالت: "خرجتُ من سوريا التي تعمدتُ وقبلتُ مناولتي الأولى فيها منذ أشهر عدة بعد سلسلة معاناة مع الآلاف من الشباب السوري، وتعرضنا في السجن الى ظلم كبير من تحريض طائفي من قبل رجال النظام لتكريهنا بأخوتنا مسلمي سوريا". وأشارت الى ان "ثورة سوريا ليست ثورة مسلم او ثورة مسيحي بل هي ثورة على الظلم، ثورة حرية، ثورة كرامة"، مؤكدة أنه "منذ بداية الثورة والنظام يحاول استخدام المسيحيين كورقة للضغط على الغرب وعلى المسيحيين". وأوضحت أن "مسيحيي سوريا يعلمون تماماً ماذا فعل هذا النظام بهم وأنه ليس حامي الأقليات ولا المسيحيين باعتبار انه شرّد عائلات مسيحية كثيرة وكان يعاملهم بدونية وهجّر الكثير من أبنائهم على مرّ التاريخ"، كاشفة ان "نسبة المسيحيين كانت مضاعفة قبل استلام آل الأسد الحكم بينما اصبح المسيحيون اليوم متسولين على ابواب السفارات نتيجة الفقر والتهميش ومصادرة أملاكهم". ونفت وجود أي خوف على الاقليات والمسيحيين في سوريا "لأن الثوار أثبتوا من خلال تحركاتهم ومظاهراتهم أنهم أبعد ما يكون عن الطائفية فهم يدركون تماماً ان الطائفية لا تُفيد سوى النظام وسوف تفتت المجتمع السوري".

وقدّم مراد الناشطة العربية الليبية فتحية موسى الحجاجي التي بكت بدورها حين روت كيف اغتصبت أخت أحد الثوار الذي قبض على معمر القذافي أمام عيون والدها المكبّل. وأشارت الى أن الشعب الليبي عاش فقيرا في دولة غنية. وأضحكت الحضور حين تحدثت عن إكتشافات القذافي التي خطّها في كتابه الأخضر ومن بينها "المرأة تلد والرجل لا يستطيع ذلك". وأكدت أن "ربيعنا العربي هو بداية لعصر جديد ليس في منطقتنا العربية وحسب وإنما في أرجاء المعمورة كافة، وهو مرحلة لإعادة صياغة الواقع السياسي العربي؛ واقع كان فيه الرئيس او الزعيم هو الذي يصنع القرار ويستفرد به ليصير القرار قراراً شعبياً بعد ان ينتزع حقه المسلوب ليكون الشعب مصدر القرارات ومنفذها". واستذكرت كيف قامت فتاة ليبية في العشرينيات من عمرها بصنع القذائف وتفجير بعض ثكنات جيش النظام على بعد أمتار من منزل القذافي. وختمت: "ربيعنا العربي نبتة زرعها لبنان منذ سنين وتفّتح مؤخراً في تونس ونوّر في مصر وأزهر في ليبيا وامتد رحيقه الى اليمن، وها هو اليوم في أوج عنفوانه في سوريا".

وقالت الناشطة المصرية منى مكرّم عبيد: "ان إرادة "القوات" أوصلت الى ثورة الأرز في العام 2005 فكان لبنان الشرارة الأولى للربيع العربي، وثورة 14 آذار كانت شعلة الشباب المصري". وأشارت الى أن المسيحيين اللبنانيين من أبرز رواد النهضة، مؤكدة "صحيح أن ثورات الشعوب قد تُشكِّل تحوّلاً كبيراً في أوطانها، ولكن يجب وضعها في سياق تاريخي، فهناك منظور قصير الأمد وهناك منظور آخر طويل الأمد. فبالنسبة الى المنظور القصير الأمد، هو ما يهم جميع المصريين الآن، الذين عانوا من قمع الديكتاتورية وسياساتها المدمرة للمجتمع، من هدر الكرامة، ونهب الاقتصاد، وتفاقم الفقر، وزيادة معدلات البطالة، وتجذّر الفساد، وتبعية مطلقة للخارج. وما يريده الأفراد من الثورة بعد أن نجحوا في إسقاط النظام السابق، يتمثّل في إزالة كل ذلك الركام وأوله: إزالة الظلم عنهم وتحقيق الحقوق الدنيا من مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية وتوافر فرص العمل.

ثم ردد الكورال المؤلف من 15 شاباً مع شويري والفنانة جنفياف يونس أغنية بعنوان "اسرح بالليل" ترافقت مع تصفيق حادّ. كما عُرض فيلم وثائقي بعنوان "ولادة جيل" من كتابة مروان نجار، إخراج جو الطويل ومنتج منفذ جو القزي، تناول الفترة الزمنية التي امتدت على مدى 18 عاماً منذ حلّ حزب "القوات" في العام 1994 وصولاً الى ثورة الأرز وربيع الشعوب العربية. وترافق الفيلم مع قصة طفل اسمه جيل يجسد الجيل الجديد كبر خلال وجود جعجع في السجن، وطيلة 11 عاما أصر على النضال في سبيل حرية وطنه فيما الإعتقالات في أوجها، ثم دخل جيل الصالة وسلم جعجع درعاً وضعه الأخير أمام أرزة "القوات" تحت المنصة.

وكانت اللحظة التي اعتلى فيها جعجع المنصة المحطة التي انتظرها الحضور، فدوى تصفيق حاد ووقف الجميع مرددين "حكيم .. حكيم".

جعجع

وكانت الكلمة الأولى التي قالها "الحكيم": "شيخ بشير"، مستذكراً الرئيس الشهيد بشير الجميل، وقال: " سرتَ مع رفاقنا الأولين الى ساحات الكرامة والشرف من دون نظام داخلي، ولا شرعة من ورق، مدفوعين مستنيرين بنداء الواجب والضمير؛ وها نحن اليوم نسير الى ساحات الوطنية والحرية والديموقراطية، مجسدين أمانيكم، بحزب حديث يرعاه نظام داخلي، وتتحكّم بمساره شرعة طليعية جامعة شاملة وطنية. المجد والخلود لكم شهداؤنا الأبرار والإجلال والتقدير لكم شهداؤنا الأحياء، لأنّكم بدمائكم كتبتم شرعتنا وسطّرتم مستقبل "القوات". هنيئاً لحزب دماء شهدائه حبر ورقه، ومبادئه ليست حبراً على ورق. إنّ من سلّف الحق والحريّة آلاف الشهداء والمصابين والمناضلين جدير بأن يؤتمن على إرث الحرية والديموقراطية والحياة الوطنية".

واعتبر انه "قد تمر لحظات سود في التاريخ، ولكن هذا لا يعني أبداً أن اتجاه التاريخ أسود. طالما هناك إنسان واحد على وجه الكرة الأرضية يفكّر أبيضَ ويعمل لإحقاق الحق، طالما التاريخ ذاهب في هذا الاتجاه، فكيف إذا كنّا كثرة، كما نحن في "القوات اللبنانية"، وكما نحن في الرابع عشر من آذار، وكما نحن جميعاً في الربيع العربي أينما كان؟ طالما نحن كثرة، وطالما نفكّر حريّة وديموقراطية وحقاً وربيعاً، طالما التاريخ ذاهب حكماً في هذا الاتجاه، وخريفاً لن يكون".

أضاف: "نحن نعرف تماماً ما هو في انتظارنا على طريق الربيع العربي. في انتظارنا صعوبات جمّة، وعراقيل كثيرة، وتقاليد بالية، وعقول متحجّرة، ورؤوس حامية ونفوس متعصّبة. لكنّ هذه الصعوبات كلّها لن تثنينا عن عزمنا، لأنّها أصلاً، وبأبشع تجلّياتها، جزء من الواقع السائد، ولكنّ الأهم هو أن طريق الربيع العربي، وعلى صعوباتها، هي طريق الحق والحرية والحياة، وإن تعبنا فيها، فلن نحيد عنها. أذكر يا إنسان أنك من الحرية… والى الحرية تعود…". ولفت الى ان "من تسبب أصلاً بالربيع العربي هي الأنظمة الدكتاتورية التي امتصّت دماء شعوبها وخيرات بلادها، وأسكتت وقمعت ونكّلت وبطشت وتجبّرت وأحبطت كلّ توق الى الحرية والانعتاق، وكلّه تحت مجموعة شعارات تبدأ بشعار الجماهيرية التي عادت وأسقطتها الجماهير، وتنتهي بشعار وحدة حريّة اشتراكية. فإذا بالوحدة تتحول الى واحد، والحرية الى سجون ومنافٍ وقبور، والاشتراكية الى مليارات في الحسابات الخاصة".

وقال: "طوبى للذين آمنوا بالحق والحرية والحياة، ولم يتخذوا أولياء من الدكتاتوريين والطغاة: تحيّة من ربيع بيروت الى ربيع دمشق… من جبل لبنان الى جبل العرب… ومن وادي قنوبين الى وادي النصارى… كم من النعوت تطلق بحقك يا ربيع دمشق، ولكنّك في نهاية المطاف ربيعاً تبقى…". وأشار الى أن "البعض يتكلم عن مسيحيي سوريا وكأنّهم هبطوا بالمظلاّت مع وصول هذا النظام، وعليهم بالتالي أن يجهّزوا أنفسهم للعودة من حيث أتوا في حال سقوطه، متناسين أن المسيحيين سكان أصيلون تاريخيون في سوريا، عاشوا وتفاعلوا فيها لآلاف السنوات. إذا كانت ظاهرة التكفيريين، على محدوديّتها، حقيقة لا يمكن إنكارها، فإنّ وجود أكثرية إسلامية معتدلة تنشد الحرية والديموقراطية والمواطنة الحقة، هو واقع ملموس ومعاش لا يمكن التعامي عنه. ولنا في إعلان الأزهر ورسالة المجلس الوطني السوري الى اللبنانيين، كما في وثيقة حزب الإخوان المسلمين السوري وغيره من الأحزاب والتجمّعات والشخصيات السورية خير دليل على ذلك، والعبرة تبقى في التنفيذ، لكننا لا نستطيع تجهيل كل هذه الوثائق وإعلانات النوايا وتجاهلها، ولا يمكننا إلا اعتبارها نقطة انطلاق جيدة، والتعاطي معها على هذا الأساس".

واعتبر ان "واجبنا أن نشجّع الاعتدال بدلاً من الإغراق في بث روح الفصل العنصري وطرح فرضيات أقل ما يقال فيها انّها فرضيات لا تبرّر مطلقاً السكوت عن الواقع الحالي القمعي المجرم. إنّ من يأبه فعلاً لمصير المسيحيين في الشرق لا يبثّ فيهم أفكار اليأس والقنوط والخوف، ويرميهم بين أيدي أنظمة قمعية بحجة حمايتهم"، داعياً "المسيحيين في هذا الشرق الى التشبّث بأرضهم وبأوطانهم والى مواجهة الأحداث والتحولات والمخاطر بشجاعة، والى الانتظام في أحزاب وتكتلات سياسية، دفاعاً عن كل ما يؤمنون به ويريدون، والى التفاعل مع محيطهم وتبنّي القضايا الإنسانية العادلة باعتبار ان لا حياة لنا في هذا الشرق إذا فقدنا قيمنا علّة وجودنا".

أضاف: "وإن أنسى لن أنسى تاريخاً صنعته المسيحية المشرقية المقاومة وفي طليعتها كنيستنا المارونية ببطاركتها العظام، بالعرق والدماء والدموع؛ تاريخاً نفتخر به وبوحيه طليعيين أحراراً نعيش. في هذا السياق، أتوجّه باسمي وباسمكم، بتحيّة إجلال وإكبار الى روح البابا شنودة الثالث، بابا التفاعل مع مجتمعه وقضاياه، بابا الإقامة الجبرية في الصحراء لفترات طويلة، البابا الذي عاش حياته بتواضع الراهب الناسك وفضّل التوحّد والصلاة في الملمّات على أي شيء آخر…".

وتابع: "ان من يعتقد أنّ بإمكانه وقف دورة الحياة والترقّي مخطئ وبعيد عن حقيقة التاريخ لأن من حق الشعوب أن تقرر مصيرها بنفسها. وإنّ من يعتقد أن الحملات العسكرية، وتدمير المدن والقرى على رؤوس أهليها سينهي الثورة الشعبية في سوريا لهو مخطئ. وإنّ من يعتقد أنّ كسب الوقت بالمناورات الديبلوماسية يساعد على إخماد شعلة الثورة لهو واهم. وإنّ من يراهن على إنهاك الناس، هو من سيتعب أولاً ويخسر أخيراً. وإنّ التمادي في استعمال العنف في سوريا لن يؤدي الى إضعاف الثورة، بل الى تقوية المتطرّفين. وان كل يوم إضافي في عمر النظام، يشكل مدماكاً إضافياً في بناء التطرّف في سوريا. وان كل ما يجري لن يفيد النظام، ولا من يقف وراءه أو أمامه بشيء، سوى زيادة التطرّف، فهل هذا هو المطلوب؟". وكشف ان "الحل الحقيقي في سوريا ليس السكوت عن النظام او التسامح معه، بل بالدعوة الى استفتاء شعبي حقيقي برعاية جامعة الدول العربية ومجلس الأمن حول بقاء النظام أو عدمه، وكل ما عدا ذلك مزيد من الدماء والدمار والموت. فالحلّ الحقيقي في سوريا هو في الديموقراطية، وليحكم من يصل الى الحكم ديموقراطياً".

وأشار الى أن "الطريق في مصر وتونس وليبيا واليمن، ومع أنّها أصبحت سالكة، لن تكون سهلةً أبداً ولا مفروشةً بالزهور والرياحين والياسمين، لكنّها الطريق، بعكس الجمود القاتل الذي كان سائداً تحت نير أنظمة العبودية. بعد تونس، والقاهرة، وبنغازي، وصنعاء، تهيئي دمشق، فللحرية الحمراء باب بكل يد مضرّجة يدق". ولاحظ انه "في الوقت الذي تناضل شعوب المنطقة وتموت كل يوم للخروج الى ربيعٍ أخضر، يعكف البعض في بلادنا على العكس. بكلّ صراحة، ومن دون مواربة، باتت ممارسات الإصلاح والتغيير في لبنان تهدد نوعية العمل السياسي وتعاطي الشأن العام، كما طريقة ممارسة السلطة. إنّ الكلمات عند هذا الفريق لم تعد تحمل أي معنى، وهو لا يهدف من كلّ ما يقول سوى الى الدعاية السياسية الرخيصة وتلطيخ سمعة الآخرين. التسويق السياسي شيء، وغش الرأي العام والكذب عليه ليلاً نهاراً شيء آخر مختلف تماماً. وإلاّ قولوا لي بربّكم عن أي اصلاح وتغيير كلّمونا وكلّمونا حتّى أتحفونا؟…". واشار الى أنه "مرّ عليهم في السلطة الآن، وفي أكثر الوزارات علاقةً بحياة الناس من ماء، وكهرباء، واتصالات، وعمل وعدل أقلّ من عام بقليل، فماذا بان من اصلاحهم، وأين لمسنا تغييرهم؟ أفي الموازنة؟ أم في الكهرباء؟ أفي الاتصالات؟ أم في الماء؟ أفي مرسوم الأجور؟ أم في الثقافة والحفاظ على التراث؟ أم في القضاء والعدل وإحقاق الحق في لبنان من خلال إبقاء منصب رئاسة مجلس القضاء الأعلى شاغراً؟"، موضحاً أن "التغيير الوحيد الذي أقدموا عليه كان تغيير شربل نحاس، الوزير الوحيد من بينهم الذي كان يحمل أفكاراً إصلاحيةً وتغييرية، ولو كنا لا نوافق على معظمها".

أضاف: "لقد صُمّت آذاننا ونحن نسمعهم يعظون بنظافة الكف، ويشنون حروباً يومية طاحنة على الفساد بكل اجناسه وأنواعه وأشكاله، في الدولة والمجتمع أيضاً… الى أن سقط القناع وبانت الحقيقة: فساد أسود كريه عابق بروائح الصفقات والفضائح، في المازوت، والكهرباء والاتصالات… سأتوقّف عند هذا الحدّ لئلاّ أفسد عليكم ما تبقّى من أمسيتكم وربما عطلة الأسبوع…".

وتطرق الى حقوق المسيحيين، قائلاً: "لطالما سمعنا منهم مطوّلات عن استرجاع حقوق المسيحيين في الدولة، فقولوا لي أين استرجعت هذه الحقوق: أفي التهجّم على موقع رئاسة الجمهورية ومحاولة تحجيمه؟ أم في الأمن العام؟ أفي ملاك وزارة المالية؟ أم في ملاك المجلس النيابي؟ أو في أي إدارة أخرى في الدولة؟ يظهر أننا نحن قد أسأنا الفهم أولاً بأول، إذ يبدو أن ما كان مقصوداً بـ "استرجاع حقوق المسيحيين"، هو التفتيش عن كل موظف مسيحي رجعي، أي غير إصلاحي وتغييري، واستبداله بموظف مسيحي آخر ينضح من رأسه حتّى أخمص قدميه إصلاحاً وتغييراً…".

وتابع: "أمّا على المستوى الاستراتيجي، فتبيّن أنّ الإصلاح والتغيير يعني أولاً: إنّ قيام دولة لبنانية فعلية يسودها الإصلاح والتغيير يستدعي الطلب من "حزب الله" أن يبقى مسلّحاً حتّى العظم، ووضع كلّ القرار الاستراتيجي بين يديه، وإعطاءه حق الإشراف والوصاية على هذه الدولة، ماذا وإلاّ لا أمل بأي إصلاح أو تغيير في دولة لبنان الكبير. ثانياً: يجب إبقاء الفلسطينيين في لبنان داخل المخيّمات وخارجها، وأينما وجدوا، مسلّحين، ماذا وإلاّ سيقع التوطين. ثالثاً: يجب قمع التحرّكات الشعبية في سوريا، بكل ما أوتي النظام وحلفاؤه من عنف، وفي سوريا وحدها فقط في المنطقة، لأنّ سقوط نظام الأسد يعني سقوطاً للحريّة والديموقراطية في هذا الشرق كما سقوطاً لكلّ أحلام الإصلاح والتغيير فيه. وأخيراً، لتحقيق كلّ هذا الإصلاح والتغيير، جاؤونا بحكومة مكهربة، لحمها فاسد، دمها مازوت، ونفسها ملوّث".

وتوجّه الى شابات "التيار الوطني الحر" وشبانه بالقول: "أعذروني على صراحتي، لكنّ السكوت في بعض الأوقات شيطان أخرس. إنّ هذا الكلام هو برسمكم أكثر مما هو برسم أي مواطن لبناني آخر، لأنه ليس بإمكان أحد إجراء الإصلاح والتغيير اللازمين على الإصلاح والتغيير سواكم، لنعود ونلتقي على المسلّمات التي لم نختلف يوماً عليها، ونستعيد أيام نضالنا المشترك في وجه الوصاية أي وصاية، في وجه القهر والاستبداد والتخلّف والفساد والنفي والاعتقال، لمصلحة لبنان حر سيد مستقل، ودولة فعلية قوية يسودها فعلاً الإصلاح والتغيير".

وفي الشأن القواتي، قال جعجع: "نظام داخلي، فشرعة، فمؤسسة، فوطن: هذا هو مبتغانا في نهاية المطاف. ليست الشرعة والنظام الداخلي والمؤسسة أهدافاً بحد ذاتها، بقدر ما هي وسائل مساعدة للوصول الى الهدف: وطن نفتخر به وبحمل جواز سفره، ونطمئنّ الى مستقبل أولادنا فيه. يبقى أن كل هذا "سهل القول، صعب التنفيذ". ودعا القواتيين الى "شحذ الهمم، وكأنّه اليوم الأول لانطلاق مقاومتنا، وهي المقاومة الفعلية الحقة، تحضيراً لبناء لبنان ساحلاً سهلاً وجبلاً، واستعداداً لإعمار كل زاوية من زواياه، وإنماء كل منطقة من مناطقه، وتأمين فرص العمل لشاباته وشبابه…".
أضاف: "أمّا أنت أيّها الربيع العربي، فإنّي أسمع أصوات شعوبك تواقة الى النور والتحرر، وكلي أمل أنّه في يوم ليس ببعيد سيتخلّص الشرق من الظلم والظلامية والاستبداد والفساد والعبودية، وستسود المساواة والعدالة والديموقراطية والحرية".

وختم: "في العام 1994 حلّوا حزب "القوات". في العام 2005 حلّوا عن أرضنا وعن سمانا! وكلّي أمل أنّه في وقت قريب "رح يحلّوا عن ضهر الشعب السوري إذا الله راد".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل