شيء غير طبيعي وغير منطقي، وحتى غير سياسي، يحول دون تفكك الحكومة نهائيا واذا سقوطها، كما يحول دون جعلها حكومة فاعلة كما هو مفترض في هذه المرحلة المعقدة من تاريخ لبنان وتاريخ المنطقة بشكل عام. غير طبيعي، لأن فن الوصول الى الحكم والبقاء فيه(السياسة بمعناها الواسع) يستدعي استقالة هذه الحكومة، أو اقالتها لا فرق، بعد أن تبين منذ لحظة تشكيلها قبل عام وعدة شهور أنها كيان فاقد القيمة والوزن والتوازن. وغير سياسي، لأن العوامل التي تحكم بقاءها للآن تماما كما تحكم عدم فاعليتها لا تمت الى المنطق بصلة … منطق الحكم أو منطق السياسة على حد سواء.
فإن يقول رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، في مقابلته التلفزيونية مع الزميل مارسيل غانم، أن التيار السياسي الذي ينتمي اليه وزير الاتصالات نقولا الصحناوي يمنعه من اقامة علاقة أو اجراء اتصال مع مدير عام الوزارة عبد المنعم يوسف، ثم يشيد به وبانجازاته(المنتظرة لاحقا، كما قال) في مجال سرعات الانترنت والهاتف، ففي ذلك اشارة واضحة الى طبيعة العلاقات القائمة بين أعضاء الحكومة من ناحية وبينهم وبين مؤسسات الدولة، وتاليا المواطنين وحاجاتهم، من ناحية ثانية. وفي الحالتين، اشارة واضحة أخرى الى ما سبق وصفه بغير الطبيعي أو المنطقي أو السياسي.
وأن يصرح وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي، من جهته، بأن أعضاء الحكومة مختلفون على كل شيء(ولا يضيف الى ذلك كلمة تقريبا، كما هي العادة)، وبأنهم يبدون في جلسات مجلس الوزراء كما لو أنهم يتحدثون لغات عدة فلا يفهم بعضهم على بعض، ففي ذلك دليل جديد على اللاطبيعي واللامنطقي، ليس في عجز الحكومة عن الفعل والقيام بواجباتها في تلبية حاجات المواطنين وحل مشكلاتهم فقط وانما في عجزها عن الاستقالة أيضا.
حكاية الكهرباء تراجيديا اغريقية بامتياز، ومع أنها ليست جديدة تماما، فسعي الحكومة الى معالجتها تحول في الواقع الى تراجيديا أخرى مليئة بالألم على ما وصلت اليه حال السياسة ورجالها، بل والحكم بمجمله، في هذا البلد التراجيديا في حد ذاته. وما كشفه رئيس الحكومة نفسه عن الطريقة التي كان سيتم بها استئجار البواخر المنتجة للطاقة، وكيفية اجراء المناقصة واستدراج العروض، يكفي للتدليل على الدرك السفلي جدا (السافل جدا، بالتعبير الدارج) الذي انحدرت اليه شؤون الحكم في ظل هذه الحكومة. وحتى بعد انكشاف الأمر، وتحوله الى حديث الشارع وتندر العامة من الناس، فلم تخرج "التسوية الحبية" التي لجأت اليها أطراف الحكم عن السيناريو الموضوع سابقا للمسرحية التراجيدية المضحكة المبكية اياها.
ومثلها أيضا حكاية الوقود التي تتكرر فصولا كل يوم أربعاء، بحيث يرفض وزير الطاقة والمياه جبران باسيل(ثم يقبل بعد ذلك بيوم واحد!) توقيع لائحة أسعار هذه المادة الحيوية للناس والحركة الاقتصادية في البلد، من دون أن يعرف أحد لماذا كان الرفض ثم كان التوقيع بعد ذلك بساعات فقط.
ولا حاجة الى تكرار الكلام على عقدة تعيين رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وبقاء المنصب شاغرا الى حد أنه استدعى اضراب نقابتي المحامين في بيروت وطرابلس احتجاجا، ولا على اللحوم والأسماك والأجبان والأدوية ومياه الشرب الفاسدة وما يقال عن مئات الأطنان منها المخبأة في المخازن والتي تنتظر "الظرف الملائم" لكي تنزل مجددا الى الأسواق، ولا بعد ذلك كله على بؤر الجمر الكامنة تحت الرماد بين الشباب العاطلين عن العمل والطلاب المهددين بالبطالة بعد تخرجهم، وبين العمال والموظفين والتجار والمزارعين والصناعيين والحرفيين…عمليا الشعب اللبناني عن آخره.
لكن السؤال يبقى واحدا لا غير: ما هو هذا "الشيء" الذي يجعل الحكومة عاجزة عن العمل ومحاولة حل مشكلات البلد وناسها من جهة أولى وعن الاستقالة(أو الاقالة) من جهة ثانية في الوقت نفسه؟.
من السذاجة القول إن قضية الحكم في لبنان، الحكم الراهن تحديدا، هي قضية لبنانية فحسب سواء كانت فصولها من نوع التراجيديا الاغريقية التي سبق الحديث عنها أو من صنف المسرح المضحك المبكي الذي تتكرر مهازله يوميا منذ أكثر من عام حتى الآن.
ذلك أنه كما كان تشكيل الحكومة انقلابا سوريا ايرانيا، بالسلاح والمال والترهيب والترغيب، على ما سبق التوافق عليه في الدوحة بعد غزوة السابع من أيار على بيروت والجبل، فجدول أعمالها المعتمد منذ اعلان البلاغ الرقم واحد لقائده الفعلي(الأمين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصرالله) لم يخرج عن الغاية التي استهدفها هذا الانقلاب: جعل لبنان أسيراستراتيجية وتكتيكات النظامين السوري والايراني في المنطقة بينما كانت رياح الربيع العربي تهب على تونس ومصر وليبيا وحدها. حتى اذا جاء موعد الثورة الشعبية ضد نظام بشار الأسد في سوريا، وتطورت الى ما تطورت اليه، تحول جدول الأعمال هذا الى "أمر اليوم" الوحيد للحكومة … من قبل انقلابيي الداخل والخارج على السواء.
في "أمر اليوم" هذا، لا حاجة الى أي عمل حكومي جدي سوى ما يخدم الغاية الأولى والأساسية للانقلاب (غاية سوريا وايران منه)، ولو أدى الأمر الى انهيار لبنان وتفكك مؤسساته وجوع أبنائه وعزلته الكاملة عن العالمين العربي والدولي، من دون أن يكون هناك امكان في الوقت نفسه للشكوى والاحتجاج أو حتى الاعتكاف، فضلا عن الاستقالة أو التهديد بها.
ألم تعلن ذلك، وبأوضح العبارات، كلمة السيد حسن نصرالله في افتتاح مجمع السيدة زينب أمس الأول، أم أن لما جاء في كلمته هذه تفسيرا آخر لدى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزراء الانقلاب المذكور؟.
"الحكومة ليست حكومة "حزب الله"، وهي باقية حتى اشعار آخر… وربما لمدة طويلة"، قال السيد حسن.
ليس ذلك فقط، بل "ان المعطى السياسي الذي أوجد هذه الحكومة سيجعلها تستمر… وفي لبنان، سواء كانت الحكومات منتجة أو غير منتجة، ناجحة أو فاشلة، عظيمة أو ممتازة، فانها تسقط بالسياسة وتبقى بالسياسة".
و"السياسة" اللبنانية الآن، في رأي السيد حسن، تقوم على "المعطى السياسي والحوادث في سوريا"، ولذلك فانه خاطب جمهوره بالقول: "لا تصدقوا ان هناك دواليب وتظاهرات اسقطت حكومات".