
لا يسع من حضر إحياء الذكرى الثامنة عشرة لحل حزب " القوات اللبنانية " إلا استرجاع صفحات مظلمة من تاريخ الوصاية السورية التي رافقت وأعقبت حل حزب القوات في ليلة 23 آذار 1994، وأبرز هذه الصفحات منع الاخبار والبرامج السياسية في وسائل الاعلام المرئي والمسموع من أجل كمّ الافواه وعدم تمكين أحد من نقل حقيقة التضليل الذي تعرّضت له القوات.
من سخرية القدر بعد سنوات أن يستمر البعض على الساحة المسيحية في تضليل الرأي العام ولعب دور شاهد الزور حول تلك المرحلة في محاولة يائسة لدق إسفين بين حلفاء 14 آذار وتحميل الشريك السني أو الدرزي مسؤولية حل حزب القوات وتغييب مسؤولية النظام الامني السوري اللبناني في هذا القرار.ومن سخرية القدر ايضاً أن يكون هذا البعض بات اليوم حليف ذلك النظام الامني نفسه الذي إتخذ قرار حل الحزب وفرضه على مجلس الوزراء آنذاك بعدما فخّخ كنيسة سيدة النجاة لاتهام القوات وتأليب بكركي والرأي العام المسيحي عليها ومحاولة النيل من قائدها .
أكثر من ذلك ، يمكن القول إن خطوات ضرب القوات اللبنانية وحلّها لم تنتظر حتى العام 1994 بل بدأت بعد العام 1988 من خلال حرب الالغاء التي كانت تعبيراً عن تقديم أوراق اعتماد للنظام السوري، وكما صمدت القوات في حرب الالغاء ما يقارب 255 يوماً و" لم يصح إلا الصحيح "، كذلك صمدت القوات بعد العام 1994 ما يقارب 4114 يوماً و" لم يصح إلا الصحيح "، وبالتالي آن للبعض في الداخل أن يتخلّى عن حقده على القوات ومحاولة تبييض صفحته من خلال تشويه يائس لصورة غيره والتنكّر الدائم لتضحيات شهداء في الكتائب والاحرار والتنظيم وحراس الارز الذين لولاهم لما بقي جيش ولما بقي مسيحيون في لبنان ولما بقي من يدّعي اليوم استرجاع حقوق المسيحيين.
اما من استذكر الشهداء عند كل محطة وعلى رأسهم الرئيس القائد الشيخ بشير الجميّل،ومن تغلّب على الخوف والأنا وتقدّم المقاتلين في أشرس المعارك ولم يختبىء في ملجأ أو هرب الى سفارة فلا يمكن أن يتنكّر له أو ينال من عزيمته أحد لأنه يكون منسجماً مع نفسه ومجتمعه ووفياً لمبادئه ولمسيرة نضاله خلافاً لأولئك الذين انقلبوا على مبادئهم وتآمروا على مجتمعهم وبدّلوا قناعاتهم وتغلّبت عليهم أنانيتهم.فهؤلاء لا قضية لهم ولا يحزنون، إنما يبنون سياساتهم وفقاً لمصالحهم الشخصية ، ولا يسجّل لهم التاريخ أي مأثرة.
اما سمير جعجع فالجميع يتذكّر كيف ترك تخصّصه الطبي في آخر سنة جامعية للالتحاق بالقوات النظامية الكتائبية بهدف الدفاع عن أمن المجتمع وحريته وبقائه بدءاً من عين الرمانة.والجميع يتذكر صولات وجولات سمير جعجع في دير بلاّ وقنات وجرود حردين.واهلي الجبل لا ينسون من وقف ومشى معهم طريق الجلجلة في الأودية والجبال وحوصر معهم في دير القمر وخاطر بحياته في الجرود من كفرقطرة الى جسر القاضي فكفرمتى من اجل رفع الحصار.وعندما تسلّم زمام القيادة القواتية أعاد للقوات وهجها وقوتها وانضباطها تماماً كما فعل بشير الجميّل، وتمكنت القوات بعد 15 كانون الاول 1985 ولغاية 31 كانون الثاني 1990 من أن تتحوّل الى جيش نظامي بكل معنى الكلمة مجهّز بأحدث الاسلحة، وفرضت توازناً عسكرياً وسياسياً على الساحة اللبنانية في مواجهة الجيش السوري إستفاد منها الجنرال ميشال عون في حرب التحرير قبل أن يعود ليجرّها الى صدام داخلي مدمّر قصم ظهر المسيحيين.
واليوم أعاد جعجع الكرة فأعاد تنظيم القوات من دون عسكر ، وأخرجها من حدود كفرشيما والمدفون الى لبنان الكبير لا بل أدخلها الى رحاب الربيع العربي بعدما شكّلت حصناً حصيناً لربيع بيروت في ظل غياب الرئيس سعد الحريري وانعطافة النائب وليد جنبلاط المؤقتة.وعلى الصعيد المسيحي إستطاع جعجع ترتيب ما أمكن من البيت المسيحي، بحيث لا يمكن للمسيحي إلا أن يرتاح لرؤية رئيس حزب الكتائب الرئيس امين الجميّل ونجله سامي حاضرين في احتفال البيال جنباً الى جنب مع رؤية عائلة الرئيس الشهيد بشير الجميّل بكاملها من صولانج الى نديم ويمنى ونواب من مختلف الكتل ومناصرين لثورة الارز وجدوا في القوات أنها ثابتة لم تتغيّر وأنها مازالت الوحيدة التي تنفخ الروح في 14 آذار حيث غاب الآخرون.
" ما بيصح إلا الصحيح" عبارة كرّرها سمير جعجع في احتفال البيال لأنه مؤمن بها مهما حاول الآخرون الترويج لمقولة " فكّر صح "، ومهما حاولوا استغلال قوله " فليحكم الاخوان " بعد بتر هذا القول على طريقة " لا إله".ومن آمن بعظمة البابا يوحنا بولس الثاني وبالبطاركة الموارنة المجاهدين وفي مقدمهم البطريرك مار نصرالله بطرس صفير لا يمكن له إلا أن يتوقع أن يُقهَر الطغاة وينكسر المستبدون ويسقط المتسلطون وأنهم كما حلّوا عنا وعن سماء لبنان لن تستطيع آلة قمعهم حمايتهم من غضب وثورة الشعب التي كالعواصف لا تستأذن أحداً للخروج من المعتقل الى الحرية ودخول القصور وتحطيم المتاريس الحصينة والعواصم المسمّاة منيعة أو" ممانعة ".