سقوط النظام السوري يعزّز مخاوف الأكثرية على الاستقرار
مطلب المعارضة بحكومة انتقالية تقابله خشية من الفراغ
لم تبرد المواقف الايجابية لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي حيال حليفيه في الحكومة وزير المال محمد الصفدي من جهة ووزير الطاقة جبران باسيل من جهة، المواجهة المحتدمة بين المكونات الحكومية، وآخرها على خلفية ملف استئجار بواخر توليد الكهرباء. فكلما طرحت الملفات الشائكة (وحتى غير الشائكة أحيانا) على طاولة مجلس الوزراء، يبرز التفاوت الكبير في الحسابات والمقاربات لدى أفرقاء الحكومة، عاكسا بذلك حجم الشرخ الذي يباعد بين تحالف الاكثرية ويطرح علامات استفهام حول صمود القرار السياسي الذي يحكم بقاء الحكومة واستمراريتها. ذلك أن تقاطع المصالح المحلية والاقليمية الذي يظلل الحكومة ويحميها من السقوط لا يرد عنها الضربات التي تتلقاها من أعضائها قبل الخصوم.
ولا يستبعد أن تطيح الاجواء المتشنجة بين ميقاتي والصفدي من جهة وبينه وبين باسيل من جهة اجتماع اللجنة الوزارية المقرر اليوم والمكلفة إعادة التفاوض على كلفة استئجار البواخر. فتمسك وزير الطاقة، مدعوما من حليفيه في الحكومة "حزب الله" و"أمل" ومن الصفدي، بخيار البواخر لا يزال يقابله تحفظ رئيس الحكومة عن هذا الخيار الذي يرى فيه كلفة أكبر على الخزينة ويشتم منه رائحة عمولات وصفقات تدفعه إلى إعطاء الافضلية لخيار بناء المعامل.
ولأن الوصول الى قواسم مشتركة حول الكلفة الحقيقية والعادلة التي تؤمن مصلحة الخزينة سيكون متعذرا في رأي مصادر وزارية مطلعة، فإن ولادة حل في وقت قريب لن يكون سهلا خصوصا "أن الحَبَل يبدو وهميا"، على ما تقول المصادر مما قد يُسقط خيار البواخر.
ولوحظ أن وزير المال لم يتلقف الاشادة التي خصه بها رئيس الحكومة قبل ايام مؤكدا فيها على متانة التحالف الذي يربط الرجلين، علما أن ما رشح عن الاتصالين اللذين حصلا بين ميقاتي والصفدي يكشف عن عتب واستياء من جانب الصفدي قابله ميقاتي بتبرير لم يصل الى حد طي الصفحة وحصر المسألة في جانبها التقني كما حاولت أوساط رئيس الحكومة القول. وثمة في الوسط السياسي الاكثري من ينظر بترقب وجدية الى مستقبل هذا التحالف على ابواب سنة انتخابية، ويسأل من ينتقل أولا الى الضفة الاخرى، ام ان الظروف التي حكمت التحالف سابقا ووضعت ميقاتي على رأس الحكومة والصفدي وزيرا فيها ستكون هي نفسها التي ستحكم المرحلة المقبلة؟
ليس لدى هؤلاء إجابة واضحة عن هذا التساؤل لكنهم مقتنعون بأن أي خطوة لضرب الحكومة يجب أن تبدأ من داخلها ومن ضمن مكونها السني في الدرجة الاولى، وإن كان هذا المكون غير قادر على تغيير المعادلة السياسية التي تحكم توازن القوى داخلها أو يغير في تركيبة الاكثرية. لكنهم في الوقت نفسه مدركون أن أي فريق إن في الاكثرية أو في الأقلية ليست له مصلحة في الظروف الراهنة في إسقاط الحكومة. فالتمنيات الكامنة في القلوب شيء وواقع الامور شيء آخر. واستمرار الحكومة سيظل على المدى المنظور أولوية لراعييها الاقليميين كما للغرب الذي لا يدرج لبنان حاليا في أجندته، وجل ما يطلب من حلفائه في الداخل ينحصر في المحافظة على الاستقرار وحمايته.
وإذ ينتقد أصحاب هذا الرأي المعارضة بسبب رهانها على سقوط النظام في سوريا من أجل تغيير السلطة في لبنان ودعوتها الى قيام حكومة انتقالية تحضر للانتخابات، يبدون خشيتهم أن تندفع المعارضة في مطلبها هذا ويرون فيه مغامرة غير محسوبة النتائج على غرار مغامرتها في دعم المعارضة السورية والرهان على البديل الآتي والتسويق له.
ويعزو هؤلاء خشيتهم إلى أن البديل في سوريا لم ينضج بعد، كما أن خيارات التسوية السياسية الجارية هناك لم تتضح معالمها. وغموض الرؤية هناك ينسحب على المشهد الداخلي، متسائلين هل أن قوى 14 آذار مؤهلة اليوم لاستعادة السلطة، وبأي خطاب؟ وهل سياسة اليد الممدودة التي ينادي بها رئيس كتلة "المستقبل" فؤاد السنيورة تعبر عن رأي المعارضة بكل مكوناتها؟ وكيف تترجم ما دامت مشروطة بسحب السلاح؟
ويخلص هؤلاء الى التنبيه من محاذير المس بالوضع القائم حاليا وربطه بالمشهد السوري لأن من شأن ذلك أن يفتح "ابواب الجحيم على المشهد اللبناني الهش".
أما الكلام المتداول في أوساط المعارضة على استبدال الحكومة بأخرى من التكنوقراط برئاسة ميقاتي نفسه من ضمن تسوية سياسية يجري العمل عليها وتكون مهمتها محصورة بالتحضير للانتخابات النيابية، فيتطلب في رأي هؤلاء الكثير من التأني والروية، لأن تسارع التطورات يغير المشهد باستمرار، وما قد يشكل بالنسبة الى فريق سياسي مخرجا لأزمة وجوده خارج السلطة وخطرا على قدرته على خوض الانتخابات يمكن أن يتحول مدخلا إلى فراغ مفتوح على كل الاحتمالات!