يمكن اختصار الشمولية على أنّها نظام المجتمع المغلق، حيث يمسك حزب واحد بمفاصل السلطة ولا يسمح بأيّ معارضة. هذا في الشكل، أمّا في الواقع فالشمولية نظام سياسي تكون فيه الدولة تحت قيادة رجل واحد، أو سلطة فرد يتمتّع بما كان يتّصف به الفاشيّون من استبداد وعسكرة للدولة – الأمّة للتمكّن من الهيمنة المطلقة واحتكار وسائل القوة ووسائل القمع، ما يؤمّن إقامة ديكتاتورية دائمة، عمودها الفقري أجهزة أمنية تعتمد نظريّة "تجفيف الماء كي يموت السمك"، وهي نظريّة معروفة جيدا في عالم القمع الشمولي.
وتستخدم السلطة الشمولية القبضة الحديدية والعنف المتعدّد الأشكال للتصفية السياسية والجسدية. وتتنامى مسلسلات الرعب من سجن وتعذيب وقتل وتهديد ومنفى. ولا تقتصر هذه الأجراءات على الشخص المعني بمفرده، بل تطال أفراد أسرته وأقرباءه وحتى أصدقاءه.
إنّ هذا الحضور الكابوسي المتعاظم لأجهزة الأمن من شأنه أن يدمّر كلّ فكر معارض، ويدجّن لا بل يعمل على تصفية أيّ نفوذ سياسي غير نفوذ السلطة الحاكمة. وإذا قدّر لبعض "النفوذيّين" أن يحافظوا على مواقعهم الكرتونية، فإنّ دورهم لا يختلف عمّا كان يقوم به الشعراء المتكسّبون المتملّقون في بلاطات الأمراء وذوي الشأن، من تبجيل مستمرّ لأصحاب السلطان وهرق ماء الوجوه بين أيديهم لنيل الحظوة والرضى. وعلى هذا الأساس، تسعى السلطة الشمولية الى إعطاء بعض القوى السياسية إسما فضفاضا، كالجبهة الوطنية أو المجلس التقدّمي القومي، لإيهام الناس بأنّ هذه القوى تشارك في الحضور السياسي وبالتالي في القرارات المصيرية، وهي في الواقع ليست أكثر من ديكور استهلاكي تمويهي لتغطية الأحاديّة والوضع المتردّي الذي ينوء تحته الشعب.
إنّ إستراتيجية السلطة الشموليّة تهدف الى "تمويت" اثنتين: السياسة والحرية، وعلى أنقاضهما يستبدّ الطغيان الفردي ومن خلاله طغيان الأزلام. وتعمد هذه السلطة الى تعميم ثقافة الخنوع والتسليم من المهد الى الّلحد، وفي مقدّمها "أنا ربّكم فاعبدوني"، ما يعني تفويض الحاكم وكالة عامة غير قابلة للعزل، ليتصرّف على هواه وبشكل أخطبوطي تمتصّ أذرعه ثروة البلاد والعباد، وتقبض على خناق المجتمع وتفرض ظاهرة ناظمة للسلوك قوامها "أنا أطيع إذاً أنا موجود".
أمّا التخدير الذي تمارسه السلطة الشمولية، فيتسرّب الى العصب الشعبي من خلال عناوين الثورة وانتصاراتها الميمونة وإنجازاتها المظفّرة. إنّ الثورة، إذا كان هنالك ثورة أصلاً، تنتقل في مسارها من الهدم الى البناء،عبر تقديم البدائل التي يجب أن تنتج تغييرا إيجابيا كتنفيذ مشروع الحريّات بديلا عن القمع وكمّ الأفواه والعقول، وكالقضاء على الأحتكار السياسي والأقتصادي الذي ينتج فسادا بتفعيل العدالة الأجتماعية والمشاركة الشعبية واحترام الحقوق. أمّا حقيقة الثورات الشمولية فتظهر بوضوح في الواقع المأساوي الذي تعيشه الأوطان التي تمّ إيهامها بالأفضل، فبايعت ودفعت الثمن تخلّفا وحرمانا وفقرا بالتساوي.
وبعد، ألا تشكّل هذه الأسباب حافزا موضوعيا لنضال مشروع يسقط الأقنعة التي يختبئ خلفها إجرام السلطة الشموليّة؟