من خارج السياق ومن دون مقدمات وبشكل مفاجئ، أطلّ أمين عام 14 آذار الدكتور فارس سعيد ليُعلن، بعد اجتماع الأمانة الذي تمّ إرجاؤه لثلاث مرات على التوالي، "إنشاء المجلس الوطني لقوى 14 آذار وثورة الأرز".
إنّ الدفع باتجاه تطوير واقع 14 آذار أمر بغاية الأهمية، لا بل إنّ هذه الخطوة جاءت متأخرة، لأنّ التأسيس على لحظة انتفاضة الاستقلال العابرة للطوائف والمناطق هو المدخل الوحيد للخلاص الوطني وبناء لبنان المستقبل الذي يستجيب لتطلعات شعبه، ويكون أهلاً للربط مع التطورات العربية والثورة الشعبية التي تحمل أفكارا تغييرية وتطويرية بالاتجاه المدني والديموقراطي والحداثوي، والتي من غير المسموح أن يكون لبنان عاجزاً عن ملاقاتها في الوقت الذي يعوّل عليه أن يكون القوة الدافعة والرافعة لها ربطاً بتاريخه وتجربته وتراثه…
ومن هذا المنطلق يستحيل أن يضع أيّ فريق نفسه في مواجهة الإصلاح المنشود، لأنّ تحويل 14 آذار إلى جبهة سياسية خطوة أساسية نحو تركيز الصراع بين مشروعين ورؤيتين وكتلتين، الأمر الذي يمهّد لإعادة إحياء نموذج الكتلة الدستورية والكتلة الوطنية، وبالتالي استقامة الحياة السياسية. لكنّ الوصول إلى هذه اللحظة وتخريجها إلى العلن يتطلّب وَضع خطة تكون بتوافق مكوّنات الانتفاضة جميعها، ما يستدعي تسجيل جملة ملاحظات، من أبرزها:
أولا، نجحت أمانة 14 آذار منذ تأسيسها في العام 2008 بتفعيل الرأي العام الذي وجد فيها مرجعيته، واستطاعت عبر الدور الذي أدّته أن تكون قيمة مضافة فعلية، خصوصا لجهة الأفكار السياسية التي أدخلتها في صلب الصراع القائم عبر المبادرات التي أطلقتها والوثائق التي "درجتها" وشكلت الفارق النوعي مع 8 آذار، فضلاً عن أن هذه الوثائق باتت "على الموضة" مع الثورات العربية، وهي دليل رُقي واحترام هذه الجماعة أو تلك لقواعدها، وحتى خصومها…
ثانيا، إن قرار إنشاء الأمانة لم يتخذه مكوّن من مكوّناتها إنما جاء نتيجة توافق كل مكوّناتها، وما انطبق على الأمانة يجب أن ينسحب على "المجلس الوطني".
ثالثا، القول إنّ الجمود الذي تعيشه 14 آذار يتطلب "نَقزة" لإعادة تحريك المياه الراكدة وتجديد الدينامية داخلها هو أمر صحيح، كما القول إن الاستحقاقات من الأزمة السورية المفتوحة وتداعياتها إلى سلاح "حزب الله" والانتخابات النيابية وغيرها تستلزم جهوزية وتأطيرا وتنظيما هو أمر صحيح أيضا، لكنّ قرارا على هذا المستوى لا يكون بوَضع الجميع أمام الأمر الواقع.
رابعا، كان باستطاعة سعيد أن يضع قيادة 14 التي تجتمع دوريّاً أمام هذا الأمر الواقع بتخييرها بين الإصلاح الذي بات بمثابة حياة أو موت لانتفاضة الاستقلال، أو استقالته وفريق الأمانة وتحميل هذه القيادة أمام الرأي العام مسؤولية ما آلت إليه الأمور، فالأمر الواقع يكون داخل 14 آذار وليس أمام الإعلام.
خامسا، إن نجاح 14 آذار هو في التكامل وليس في التصادم بين مكوّنيها المدني والحزبي، وأي محاولة "مدنية" لتهميش الأحزاب تنعكس على الرأي العام، وأي محاولة "حزبية" لتهميش الرأي العام تنعكس على الأحزاب.
سادسا، إن نجاح 14 آذار هو في إقرارها بالبُعدين الطائفي والمدني للبنان، وأي محاولة لتغليب الواحدة على الأخرى تضرب جوهر الصيغة اللبنانية التي لا يمكن تطويرها إلّا بعد رفع وصاية السلاح عنها والحالة الاستثنائية التي تعيشها منذ العام 1969 إلى اليوم، فالمشكلة ليست في "الطائفية البغيضة"، إنما في استخدام لبنان لمشاريع أكبر من مساحة البلد.
