قبل أيّام، قال مساعد وزيرة الخارجية الأميركيّة جيفري فيلتمان، في احتفال 14 آذار في واشنطن، إنّ المطلوب من هذا الفريق هو فقط الانتظار إلى العام 2013، موعد الانتخابات النيابية. وقبل ذلك، سيبقى الزمن سوريّاً، وليس زمن 14 آذار…
هذا الكلام قرأه المعنيّون في لبنان إشارة واضحة إلى اقتناع واشنطن برمادية المرحلة الحاضرة، أي في مدى عام كامل يفصل عن الموعد المقرّر لإجراء الانتخابات. لكنّه يعبّر أيضاً عن اقتناع بأنّ سوريا ستتغيّر بالتأكيد في غضون أشهرٍ، ومعها سيتغيّر لبنان.
وهذا هو أيضاً اقتناع دمشق وحلفائها اللبنانيّين. فالنظام يدرك أنّ شيئاً ما في سوريا لم يعُد قابلاً للعودة إلى ما كان عليه. وقد يربح النظام معركة وأكثر، لكنّ الحرب التي فُتِحت عليه طويلة. ولا يتوقّع حلفاء النظام في لبنان أن تعود سوريا إلى ما كانت عليه قبل اندلاع التحرّكات الشعبية في آذار 2012. ولذلك، ما إن شعر النظام بقدرته على التفوُّق في الجولة الحاليّة من القتال، حتى أخذ يحضّر الخطوات السياسية التي تكفل له تثبيت أقدامه في دمشق، وأقدام حلفائه في بيروت.
ضمن هذا الاستعجال لتوجيه الضربات الاستباقية، يريد "حزب الله" وحلفاؤه داخل الأكثرية الحاليّة أن يتخلّصوا من أعباء "الميقاتية السياسية" التي أتعبتهم بمقدار ما وفّرت الغطاء العربي والدولي لـ"حكومتهم". ففي المرحلة الأولى يريدون إعادة الرئيس نجيب ميقاتي إلى حيث أرادوا له أن يكون قبل أن يتلهّى النظام بمأزقه السوريّ الداخلي. وفي المرحلة الثانية "إستئصال" النهج الوسطي من الحكم… وليس فقط من الحكومة، والإتيان بحكومة "مريحة" ثمّ إجراء إنتخابات نيابية ثمّ رئاسية تعبّر عن هذا الاتّجاه.
لذلك، ومن دون مقدّمات، أُعيدَ قانون الانتخابات النيابية إلى دائرة الضوء. فالأمر ليس صدفة، والخطوة لا تخلو من "الخبث السياسي"، وفقاً لتوصيف بعض المصادر السياسية. ومن الواضح أنّها جزء من الانعكاس اللبناني للحدث السوري.
وحتى وزير الداخلية مروان شربل أشار إلى ارتباط الانتخابات النيابية بالحدث السوري عندما قال، قبل يومين، إنّه إذا بقي الوضع في سوريا على ما هو عليه، فالتحضير للانتخابات النيابية يستدعي سنة على الأقلّ، ولاسيّما على المستوى الأمني. وأمّا إذا انتهت الأزمة وارتاحت الأوضاع فيمكن العودة إلى تجربة 2009، أي أنّ التحضيرات تستدعي ستة أشهر.
وفي تقدير المصادر السياسية، هناك رغبة من جانب حلفاء النظام السوريّ في استعجال إقرار قانون جديد للانتخابات في اللحظة التي ما زالوا يتمتّعون فيها بالقدرة على ترجيح التوازنات، بما يضمن لهم الأكثرية في المجلس النيابي المقبل. وهذه المرّة يريدون أن يضمنوا قانوناً يؤمّن لهم التفوّق من دون الحاجة إلى ميقاتي والنائب وليد جنبلاط. وسيكون إمساك الفريق الحليف للرئيس بشّار الأسد بالسلطة في لبنان سنداً له، سواء حسم المعركة ببقائه في الحكم بعد العام 2013، أو بقي يخوض غمار المعركة الدمويّة التي ستكون قد دمّرت سوريا في ذلك الوقت ورسمت فيها خطوط تماس أهليّة.
الانتخابات لـ"التطهير السياسي"
وتريد دمشق من الانتخابات المقبلة تحقيق اكتساح لحلفائها "الخُلَّص". ففي الوسط الشيعيّ لا مشكلة لديها. وفي الوسط السنّي ستستخدم أوراقاً كثيرة لإضعاف تيّار "المستقبل"، وسط غياب الرئيس سعد الحريري بفعل الخوف الأمني. وفي الوسط المسيحي ستحاول تقديم "رشاوى" سياسيّة وتركيب تحالفات قسريّة لتأمين أرجحيّة ضد الدكتور سميرجعجع وسائرمسيحيّي 14 آذار. وأمّا في الوسط الدرزيّ فالمطلوب "معاقبة" الحالة الجنبلاطيّة. وانطلاقاً من هذه الصورة يسعى اللاعبون المحلّيون في لبنان إلى ترتيب مواقعهم.
ولكن، إذا بقي النظام ممسكاً بزمام الأمور، فلا يُتوقّع أن يفرج عن الانتخابات النيابية في لبنان إلّا إذا ضمنت التفوّق المريح لحلفائها، أيّاً كانت الوسيلة إلى تحقيق ذلك.
كما أنّ التحوّلات الجارية عميقة في سوريا. وربّما تضاف إليها التحوّلات التي تفرضها المعطيات المتأتّية عن المحكمة الدولية في لبنان… وربّما في سوريا أيضاً. وهذا ما يدفع بالتطوّرات الداخلية اللبنانية إلى اتّجاهات يصعب على أيّ طرف تقديرها. وقد يكون تأجيل الانتخابات هو الخيار الأرجح، إذا بقيت المرحلة رمادية. فالجميع يمكن أن يرتاح إلى هذا الخيار، لأنّه سيكون طامحاً إلى تحقيق انتصاره، واستثمار هذا الانتصار… إلى أن تظهر الملامح الجديدة للبنان وسوريا والشرق الأوسط برمّته.