لفتت مصادر لبنانية على صلة وثيقة بالقيادتين الإيرانية والسورية ومقربة من رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي، إلى أن المنطقة العربية دخلت مرحلة جديدة بعد سقوط كل المحاولات لإسقاط النظام السوري وتشديد الضغط على إيران والعراق، مشيرةً إلى أنه بعد انتهاء القمة العربية في بغداد أصبح خيار التسوية السياسية في سوريا متقدما على باقي الخيارات.
وأكّدت المصادر أنه بعد معركة بابا عمرو في حمص لا مجال إلا لتغليب منطق الحوار بين النظام السوري وقوى المعارضة، خصوصاً أن الرهان على سقوط النظام أو الخيارات العسكرية قد انتهى، داعيةً جميع القوى اللبنانية والعربية والإسلامية والدولية إلى العمل على هذا الأساس في انتظار انتهاء الانتخابات الفرنسية والأميركية.
وشرحت المصادر المعطيات المتوفرة لديها بالقول ان النظام السوري نجح في إعادة ترتيب أوضاعه وبدأ الخروج من النفق مع ان ذلك لا يعني انتهاء المعركة في مواجهة بعض القوى التي تعمل لاستنزافه، وخصوصا السعودية وقطر اللتين تسعيان لمد المعارضة السورية بالسلاح والمال علنا، لكن هذا الرهان لن ينجح مع "أننا قد نشهد المزيد من العمليات الأمنية والتفجيرات في بعض المناطق السورية، لكن ذلك لن يخدم المعارضة بل سيساهم في إضعافها ولذا لن يكون امام قوى المعارضة، وخصوصاً في الداخل، سوى القبول بالمفاوضات السياسية تحت سقف النظام لأن الظروف الدولية والعربية والداخلية لا تسمح بإسقاط النظام".
وأما على الصعيد الايراني، فتقول المصادر التي تسنى لها أن تجتمع بنائب وزير الخارجية الإيرانية حسين أمير عبد اللهيان الذي زار بيروت في الأسبوع الماضي، إن النظام الايراني خرج قويا بعد الانتخابات النيابية الأخيرة وخصوصا عبر تعزيز دور المرشد السيد علي خامنئي وإن الخيار العسكري الإسرائيلي – الأميركي ضد إيران بات مستبعدا حاليا، وأما بشأن العقوبات، فبرغم انها قد تؤثر على الوضع الاقتصادي الداخلي، فإن إيران قادرة على تجاوزها وخصوصا انها خضعت للعقوبات لسنوات طويلة واستطاعت تخطيها، فكيف اليوم وهي ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع العديد من دول العالم وخصوصا دول "البريكس" (روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا، والبرازيل)، إضافة الى العلاقات مع تركيا والعراق وباكستان وأفغانستان وبعض دول آسيا الوسطى مما يجعلها قادرة على مواجهة اية محاولة حصار اقتصادية او سياسية.
وتتوقع المصادر أن تشكل المفاوضات النووية في 13 نيسان الحالي في تركيا فرصة جديدة للعودة الى الحلول السياسية مع اميركا والدول الاوروبية، ولذا فإن اي رهان على توجيه ضربة عسكرية لإيران ليس في محله والاوضاع ستتجه نحو الخيارات السياسية في المرحلة المقبلة، كاشفةً أن الانطباعات السائدة في معظم عواصم المنطقة أن ثمة شيئا يجري من تحت الطاولة بين الأميركيين والايرانيين، وأن أي تفاهم يمكن أن يحصل بين الجانبين سينعكس ايجابا على عدد من ملفات المنطقة وخاصة الملف السوري.
وفي الشأن العراقي، تقول المصادر إن العراق خرج بعد القمة العربية في بغداد اكثر قوة وتم تجاوز الازمة السياسية الداخلية وأصبحت كتلة رئيس الحكومة الأسبق اياد علاوي ضعيفة ومشتتة ولم يعد نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي الذي أصبح لاجئا سياسيا في قطر، قادرا على استثارة اي اهتمام سياسي او شعبي حتى من اوساط كتلته، وإن الجميع سيذهب الى المؤتمر الوطني الداخلي تحت سقف رئيس الحكومة نوري المالكي. وأما الضغوط الامنية والتفجيرات فلم تنجح في التأثير على الوضع الداخلي او في منع نجاح انعقاد القمة العربية، على الرغم من بعض المواقف النافرة التي لا تليق بمطلقيها، في اشارة الى موقف قطر من عقد القمة في بغداد.
لكن المصادر لا تنفي وجود مشاكل عراقية لها علاقة بأداء القوى العراقية والفساد وتراجع الخدمات مما فرض على المرجع السيد علي السيستاني رفض استقبال السياسيين العراقيين حتى الآن وهذا يفرض على القوى العراقية الاهتمام اكثر بإعادة ترتيب اوضاعهم وتحسين الأداء ومعالجة هموم الشعب العراقي بعد الحصول على الاعتراف العربي بالواقع السياسي الجديد.
وعن علاقة العراق بالوضع السوري، تعبر المصادر عن ارتياحها لأداء الحكومة العراقية خلال الاشهر الماضية وأن من مصلحة العراق انتهاء الازمة السورية والاتجاه نحو الحلول السياسية لان استمرار الاحداث ستكون له انعكاسات سلبية على الوضع العراقي، ولذا لم يكن هناك اي تجاوب من القوى العراقية بمختلف اتجاهاتها مع المعارضة السورية وكان الجميع يعمل لانتهاء الازمة وهذا خيار لا تراجع عنه في المرحلة المقبلة.
وتكشف المصادر أن الجانب الايراني، وفي معرض تشجيع بغداد على اعادة وضع نفسها على الخارطة العربية والعالمية بعد الانسحاب الأميركي، لوحت مؤخرا بانعقاد المفاوضات النووية في العاصمة العراقية، وقد تلقف الاتراك الرسالة الايرانية، ولذلك، بدا الموقف التركي في موضوع العقوبات متميزا، وحتى في الموضوع السوري، كانت نبرة خطاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في طهران مختلفة عن لهجة وزير خارجيته أحمد داود أوغلو، في الموضوع السوري.
وحول وضع "حزب الله" في ضوء كل هذه المتغيرات، تقول المصادر إن "حزب الله" خرج من دائرة الارتباك التي عاشها على مدى سنة بسبب الأزمة السورية، وهو يتصرف حاليا على قاعدة أن النظام السوري تخطى المرحلة الصعبة، وهو انتقل الى مرحلة سياسية جديدة، ويدرك الحزب أن موقفه المساند للنظام كانت له ارتدادات سلبية على مستوى علاقته ببعض القوى الاسلامية والعربية وخصوصا "الاخوان المسلمين"، وأن الجميع اصبح مقتنعا حاليا، بأن لا خيار الا الحل السياسي والاصلاح الذي لا يمكن أن يرفضه عاقل وبالتالي العودة الى طاولة المفاوضات بين النظام وقوى المعارضة، وتشير المصادر الى ترسخ القناعة، في دوائر عدة لبنانية وعربية وإسلامية بأن إسقاط النظام السوري عسكريا او شعبيا غير ممكن وأن الوضع السوري يختلف كليا عن أوضاع مصر وتونس واليمن وليبيا والبحرين.
وتضيف المصادر ان "حزب الله" وحركة "حماس" يعملان الآن على اعادة ترتيب أوضاع الساحة الاسلامية اللبنانية والفلسطينية وأن قيادة الحركة حريصة على إبقاء قنوات التواصل مع النظام في سوريا بعد ان اكتشفت ان لا بديل عن دمشق وإذا كانت الظروف السابقة دفعت ببعض قياداتها للخروج المؤقت من دمشق، فإن ما جرى خلال الاشهر الماضية سيدفعها مجددا للعودة الى سوريا وإعادة توثيق العلاقة بين كل القوى المقاومة، بعدما أدرك الجميع ان المطلوب منع اية محاولة لبث الشقاق بين القوى الاسلامية السنية والشيعية وأن الرهان على تغيير المعادلة في المنطقة لن ينجح.
وتشدد المصادر على أن أولوية قيادة "حزب الله" في هذه المرحلة لبنانيا، هي محاولة تثبيت الاستقرار بكل أبعاده السياسية والأمنية والاجتماعية، ومن هنا كان الحرص المتكرر للأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله على تحديد سقف سياسي يحول دون اهتزاز الوضع الحكومي المرشح أن يستمر حتى موعد الانتخابات في ربيع العام 2013.
وتختم المصادر بالقول ان المنطقة دخلت مرحلة جديدة بعد القمة العربية في بغداد… ونحن نتجه نحو مسار المفاوضات سواء على صعيد الملف السوري او الايراني وقد سقطت كل الخيارات العسكرية على الاقل في المرحلة الحالية وعلى الجميع ضبط حساباتهم على هذا الاساس والتوقف عن انتظار سقوط النظام السوري او حدوث حرب مذهبية سنية – شيعية، فمن يلتق بعض الوفود الأوروبية التي تزور بيروت في هذه الأيام، يستنتج أن مبادرة كوفي أنان شكلت خشبة خلاص للخروج من المأزق الذي وصلت اليه المراهنة على سقوط النظام السوري.