بات سمير جعجع "عقدة نفسية" لبعض من لا يريدون أن يفهموا أن "ربيعاً قواتياً" أزهر عندما سلّم "الحكيم" سلاح "الميليشيا" وفق اتفاق الطائف، من دون أن يُسلِّم أو تُسلِّم "قواته" لظلم الوصاية السورية، وأن "ربيعاً قواتياً" أضاء ظلام سجنه المتعفن، طوال 11 عاماً.
لم يكن "الحكيم"، في ذكرى حل الحزب، يتغنّى بـ"ربيع القوات" من لا شيء، كما يتغنّى غيره بـ"الإصلاح والتغيير"، بل كان يقصد ربيعاً يعتز القواتيون به. ربيعٌ كسر جدار ما يسمى بـ"الإنعزال المسيحي" عبر ما جسده مشهد 14 آذار في العام 2005 من التقاء للإرادة المسيحية الإسلامية على الإنتصار لـ"لبنان أولاً"، واستمر مع مراجعة للماضي وصلت حد "جلد الذات" كأساس للإنطلاق نحو تأسيس المستقبل على أساس حفظ الماضي واستخلاص دروسه، وتكرّس بـ"جملة" إعتذارات قالها "الحكيم" باسم قاعدته بجرأة الإعتراف بالأخطاء، وتجلى بإعادة تظهير وعي "القوات" للقضية الفلسطينية، ولم ينته بـ"شرعة طليعية جامعة شاملة وطنية" قبل أن يواكب "الربيع العربي" بعين "الإعتدال والحرية والديموقراطية"، لا بعين "التطرّف" والعودة إلى زمن الإنعزال، كما هي حال بعض المسيحيين اليوم.
غني عن القول، إن شعار "ربيع شعوب.. خريف عهود" لم يكن ترفاً فكرياً أو "مغالاة قواتية" في مواكبة الربيع العربي، كما لم تكن إستضافة شخصيات عربية "مسلمة" من تونس ومصر وليبيا تطل بـ"البسملة" على جمهور يعتز بـ"صليبه" مجرد فولكلور، بقدر ما كان الشعار وترجمته إمتداداً لقناعة قواتية صادقة، عبّر عنها "الحكيم" في الذكرى السابعة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في "البيال" بقوله :"إنسان واحد .. قضية واحدة .. في كل زمان ومكان".
لم يتأفف "القواتي المسيحي" من اقتحام "الإسلام المعتدل" لمنصته، بل يكاد الحاضر في الإحتفال يلاحظ أن تصفيق القواتيين لضيوفهم المسلمين العرب، ومنهم المناضلة الليبية "المحجبة"، فاق تصفيقهم لـ"الحكيم"، ما جعل البعض يُشكك في ما إذا كان في "حلم أو حقيقة"، قبل أن "تقرصهم" أجوبة سمير جعجع على أسئلة من شاكلة :"هل ما تقوم به منسجم مع القاعدة؟ وهل ما قلته يعبّر عن قناعة؟ "حكيم" وصلت لهون؟".
كان جواب "الحكيم" صريحاً وبالحرف :"أكتر ما بتتصوروا، والقاعدة موافقة وباصمة بالعشرة".
لم يأتِ جواب القائد القواتي من القمر، بل كان منسجماً مع قاعدة ترى أن أهمية مهرجانها في الذكرى الـ 18 لحل "حزب القوات"، تكمن في تحوّل منبرها المسيحي الـ"14 آذاري" إلى منصة للثورة العربية، بما يؤكد أن مفهوم ما يسمى "الانعزال المسيحي" كان مرده إلى الأنظمة الديكتاتورية، ولا سيما النظام السوري، الذي اراد أن يجعل من النظام اللبناني شبيهاً له، لكن الثورات العربية جاءت لتنصف "القوات"، وتثبت أن قضيتها التي دفعت الغالي والنفيس في سبيلها هي نفسها قضية الشعوب العربية.
الكلام المسيحي سرعان ما لاقاه إعتدال مسلم يرى أنها "قضية واحدة"، قضية عودة الشعوب العربية إلى وطنيتها بعد أن حكمتها الأنظمة الديكتاتورية باسم الدين وباسم القومية وباسم الممانعة، سيما وأن قسماً من اللبنانيين، وتحديداً المسلمين، قد عادوا إلى وطنيتهم في العام 2005 تجسيداً لشعار "لبنان أولاً".
ومن قرأ وثيقة "تيار المستقبل وآفاق الربيع العربي" يكتشف أن هذا هو جوهرها وفحواها.
يبقى أن ما سبق ذكره هو أهم ما أفرزته الذكرى، لكن بالتوازي لا بد من التوقف عند جانب مهم في خطاب "الحكيم"، إذ بدا انتقاده لموقف بعض المسيحيين من الثورات العربية، وتحديداً السورية، منطقياً وعقلانياً يقفل الباب على أي مزايدة مسيحية أو استغلال لهذا الموقف.
فلا شك في أن العالم العربي اليوم يشهد مخاض بناء الجديد بعد إسقاط القديم، في طريق لا يبدو مزروعاً بالورود، ربطاً بما يثيره من هواجس مسيحية وإسلامية مشتركة من تطرّف وأصوليات.
بدا "الحكيم" مدركاً لهذه الهواجس بعين مدركة أيضاً لحقيقة أن التطرّف يسقط ما إن تسقط أسبابه وتنقرض الموبقات التي تدفعه إلى الهلوسة والجنون بين الحين والآخر. لكنه في العين الثانية كان يلمس تغييراً لا يخرج عن إطار "القضية الواحدة"، بما صدر من وثائق عن "الأزهر الشريف" في مصر، مروراً برسالة المجلس الوطني السوري، وصولاً إلى "وثيقة "تيار المستقبل"، وليس انتهاءً بميثاق "الإخوان المسلمين" في سوريا.
أهمية ما قاله أن "العبرة تبقى في التنفيذ"، لأنه "في النهاية لن يصح إلا الصحيح"، ولكن إلى أن يصح الصحيح، كانت رسالة "الحكيم" التي تصلح مادة للتدريس: "إذا كانت ظاهرة التكفيريين، على محدوديّتها، حقيقة لا يمكن إنكارها، فإنّ وجود أكثرية إسلامية معتدلة تنشد الحرية والديمقراطية والمواطنة الحقّة، هو واقع ملموس ومعاش لا يمكن التعامي عنه (..) إنّ واجبنا أن نشجّع الاعتدال بدلاً من الإغراق في بث روح الفصل العنصري وطرح فرضيات أقل ما يقال فيها إنّها فرضيات لا تبرّر مطلقاً السكوت عن الواقع الحالي القمعي المجرم".