بالأمس أعلن الرئيس المجري، بال شميت، استقالته من منصبه، بعد أيام على اتهامه بـ»سرقة» أجزاء من الرسالة العلمية التي نال بها درجة الدكتوراه وأنه «انتحل» معظمها من رسائل لمؤلفين آخرين، وبعد أقل من أسبوع على تجريده من هذه الشهادة والدرجة العلمية التي نالها عام 1992 من جامعة «سيميلويس» في بودابست وقف شميت أمام البرلمان المجري ـ الذي بالتأكيد لا يهتف له بالروح بالدم، ولا يقاطعه ليقول فيه الشعر والأزجال، ولا يقف أمام رئيس المجر مقهقهاً ومصفقاً لنفسه ـ معلناً: «في هذا الموقف، عندما تتسبب مسألة شخصية خاصة بي في تقسيم بلادي التي أحبها، بدلاً من أن تعمل على توحيدها، أشعر أنه من واجبي أن أنهي خدماتي، وأقدم استقالتي».
هذا في المجر، أما في سوريا التي يحمل رئيسها لقب دكتور ـ من دون نيله شهادة الاختصاص ـ يروّج هذا الرئيس لنفسه في صحف لبنان التابعة له، وبعد إطلالة حليفه صاحب بدعة «النصر الإلهي» معلنا انتصار الرئيس السوري وبقاء نظامه، لينبري من بعده المستعجلون على إعلان انتصار النظام «الوهمي» ويحتفوا بهذا الانتصار، ولأنّ النظام وقح ولا يخاف إلا بعينه، وبعدما خرج ذاك البيان المدروس الصادر عن حكومة رئيس منزوع الشرعية الدولية ليقول بـ»فصاحة» إن: «معركة إسقاط الدولة في سوريا انتهت بلا رجعة»، سارع النظام نفسه الذي ادّعى الانتصار إلى عادة الخداع والمناورة والتذاكي والحماقة المعروفة عنه ليرسل وزير خارجيته رسالة اللحظة الأخيرة ـ مستفيداً من كذبة إعادة الانتشار في لبنان للإبقاء على احتلال النظام له ـ فبعث برسالة لكوفي أنان يؤكد له فيها استعداد دمشق لإعادة نشر قواتها «فوراً» عندما استشعر خطر نزع الشرعية الدولية عنه من 83 دولة، واستشعر خطر تحديد مهلة له تنذر بالأعظم هذه المرة بعد انتهائها بعدما فشل الروس في تأمين وقته المفتوح للقتل!!
وفي وقت استقال فيه رئيس المجر حرصاً على بلاده المستاءة من سرقة أجزاء من مؤلفات آخرين ونسبها لنفسه، كان رئيس النظام القاتل يروّج لنفسه ولانتصاره تحت عنوان: «حان وقت الحساب»!! بالطبع حان وقت الحساب، وسيكون لهكذا نظام ورأسه حساب عسير مع شعبه أولاً ومع دول العالم ثانياً، ومع المحكمة الدولية من أجل لبنان ثالثاً، والمحكمة الجنائية الدولية رابعاً، هو وحلفاؤه الإلهيون من لبنان إلى طهران!!
ومن محاسن الصدف أنّ الجهة التي جارته في إعلان انتصاره والترويج لفكرته الوهميّة، جاءت من الحليفة والراعية والحاضنة الإسرائيلية الأم، لتعلن أيضاً عبر صحيفة يديعوت أحرونوت ـ التي يعزّ أخبارها وتحليلاتها حزب الله وإعلامه كثيراً ـ فتنشر ما أعلنه أمين عام الحزب، وإيران، و»توابع» النظام في لبنان قائلة: «إنه مع سيطرة قوات بشار الأسد على كل مناطق الثورة، وعجز الغرب عن التحرك الفاعل لإنهاء إراقة الدماء في شوارع سوريا، واكتفائهم بالمشاهدة من بعيد، لا ريب أن الرئيس بشار الاسد أنتصر على «المؤامرة» التي كانت تحاك ضد نظامه»، ولاحظوا فقط استخدام الصحيفة لكلمة «مؤمراة» وهي المصطلح المشترك بين الحلفاء الأوفياء للنظام!!
بالأمس وفيما كان رئيس المجر يقدّم استقالته من أجل بلاده «الحبيبة»، كان رأس نظام القتل في سوريا يتباهى عبر صحيفة لبنانيّة بيومياته المملة الفارغة التي يقرأ فيها بريده من الثامنة صباحاً حتى الواحدة ظهراً وهو يشرب قهوته ويتسلّى بأعداد قتلاه ومجازره وبدماء شعبه الجارية في كل مدن وقرى سوريا الذين تجاوز عددهم عشرة آلالاف شهيد من دون أن يرف جفن لرئيس قرّر بالأمس أن يُخبرنا: «أنّ الجديد في يومياته هذه الأيام هو أنه يبدو أكثر بهجة من ذي قبل»، بالطبع إنها بهجة الاستمتاع بقتل الشعب وتشريده وهدم بيوته وهتك أعراضه وتعذيب أطفاله واغتصاب نسائه!! الآن فقط فهمنا وأدركنا بماذا يشعر الديكتاتور وكيف يستمتع بإزهاق أرواح شعبه، من دون أن يفكّر بالاستقالة!! فارق كبير بين رئيس يخجل من سرقة أفكار آخرين فيستقيل، ورئيس ومنذ عقد من الزمن أكمل مهمة المورّث في سرقة وطنين وشعبين لظنّه أنهما ميراث عائلته «كابراً عن كابر» ولظنّه أنه سيورثهما لولده من بعده!!
أمثال هؤلاء يأتيهم الله من مأمنهم، ويحيق بهم شرّ وسوء وإجرام ما كانوا يفعلون، ولا يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر إلا متى ظنّوا أنهم انتصروا، ليكونوا في كلّ زمان ومن بدء تاريخ الإنسانية عبرة للبشر عبر العصور سواء أكانوا طغاة أم فراعنة أم نماردة أم جبارين، أو كانوا رؤساء ظنوا أنهم إلى الأبد باقين وخالدين!!