#adsense

الثورة السورية بين تقرير رصين وفضيحة إعلامية

حجم الخط

ثمة اختلاف جوهري بين تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" وبين ما نشرته مجلة "دير شبيغل" الالمانية..
في تقرير المنظمة، كشف لتورط مجموعات من الثوار السوريين في انتهاكات للقوانين الانسانية المعمول بها اثناء الحرب، لكن ذلك يأتي على هامش مادة دسمة تبين ارتكاب قوات النظام الفئوي لفظائع مهولة ترتقي الى سلسلة منسقة من الجرائم ضد الانسانية، وتتصل في مناطق معينة وحساسة بسياسات تحريض وتفرقة طائفيين مدارين من أعلى جهاز الدولة، وبمعية اجهزتها الأمنية، والأجهزة أو الفرق الميليشيوية والحزبية والعصبية المواكبة، او ما نطلق عليه عموما لفظ "الشبيحة".

وكان يفترض بقوى الثورة السورية جميعها الامتثال لهذا التقرير والتعاطي معه بروحية مسؤولة تاريخياً، فالمعلوم أن الجيش السوري الحر ما زال يبني كيانه الكفاحي، والارتكابات التي يتضمنها تقرير هيومن رايتس تستحق ان تصير دليل عمل لما ينبغي اجتنابه، خصوصا وانه على المنشقين عن الجيش البعثي الا ينسوا لحظة واحدة ان ما ينشقون عنه لم يكن الحرس السويسري المكلف حراسة الحاضرة الرسولية في دولة الفاتيكان، انما جيش دموي بامتياز يلزم استكمال الانشقاق منه بالتطهر نفسيا وثقافيا من اجوائه، مهما كان ذلك صعبا في ظل المقاومة الشعبية والمسلحة التي يقوم بها الشعب السوري الثائر في مواجهة أعتى حملة قمعية دموية لنظام فئوي شمولي. والفئوية والشمولية كما قلنا سابقاً، اجتماع لنقيضين. فالشمولية الحقة تستلزم هندسة اجتماعية شاملة للمجتمع الذي تستبد به ايديولوجيا او جماعة شمولية. أما الفئوية فهي تجعل هذه الهندسة الاجتماعية الشاملة مستحيلة، ولا يصير ممكنا للنظام البعثي ان يمارس فئويته وشموليته في آن الا باستعادة تجارب القمع الاستعماري ضد ثورات السكان الاصليين، اي انه نظام يتعامل مع نفسه على انه نظام استعماري أهلي، بكل ما في ذلك من مفارقات وما يجرٌه ذلك من مآس.

لأجل ذلك، فمن مصلحة قوى الثورة السورية عدم الظهور بمظهر تمرّدات السكان الأصليين ضد هذا النمط الارعن انما المصمم من الاستعمار الاهلي، انما الخروج بمظهر حركة تحرر وطني، لها مصدر شرعية اساسي هو التنسيقيات الثورية، ولها شكل وحدة سياسي هو المجلس الوطني السوري، واشكال كفاحية مسلّحة ينبغي العمل على ضبطها في هذا المسار الشامل، وعدم الاغفال لحظة واحدة أن السلاح يجلب السكرة، ولنا في مثال لبنان شاهد، خصوصا في زمن اضحى فيه المقاوم عميلا، والعميل مقاوماً، تخفض له السنة السجنية ليخرج بسرعة، طمعا في مساهمته المنتظرة في العمل الوطني، وربما كان من المستحسن ارفاقه بوفد مرتزقة او مشعوذة جماعة "الناطوري كارتا" الذين يحلون ضيوفا على أساطين الممانعة في كل موسم، كونهم يهوون لعب دور "يهودي البلاط الممانع" الذي عنده مشكلة مع كل ما تمخض عن عصر الانوار، وعن الانوار اليهودية بالتحديد، الهسكالاه، الى حد ينتهي به المقام في احضان محمود احمدي نجاد وحسن نصر الله.

هذا في ما يتصل بتقرير "هيومن رايتس ووتش" واهميته، وضرورة الاستفادة منه وعدّه مادة تثقيفية معتمدة في الثورة السورية.
في المقابل، لا شيء من هذا في ما يتصل بتلفيقات كان من المؤسف ان تمهرها "دير شبيغل" الالمانية بتوقيعها، وتصدر عن نفسية موتورة، بنت منذ انطلاقة الثورة السورية حكما سلبيا بحقها، يرجع في مكان ما الى ما يجوز تسميته برهاب اردوغان او الاردوغانوفوبيا عند بعض الالمان. مثل هذه الاختلاقات يمكن الطعن بها في السند، ويمكن الطعن بها في المتن، ولا حرج هنا بالنسبة لابطال الثورة السورية الكفيلين بقطع شرايين الممانعة.. من الوريد الى الوريد.

ومن المؤسف حقا ان يتدافع بعض الغيارى او الحيارى على الثورة السورية الى حجة انها مجلة رصينة. اي نعم رصينة، لكن ليس كل ما فيها رصينا، وتاريخ المجلة في المانيا لطالما انتابته تشوهات، من فضائح تتصل بمقالات عنصرية ضد البولونيين والايطاليين، الى تمييع لصورة نازيين قدامى، ولا ننسى كيف عملت هذه المجلة ذات يوم لتشويه انحناءة المستشار التقدمي فيللي براندت امام شهداء غيتو فرصوفيا، اثناء زيارته التاريخية له في كانون الاول ، الامر الذي استدعى كلمة قاسية من براندت بحق المجلة، كلمة دخلت في علياء الفكر الاخلاقي الالماني بعد الحرب.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل