عام 1876 أصدر يعقوب صروف وفارس نمر "المقتطف"، مجلة "علمية صناعية" بأربع وعشرين صفحة. ولقيت أول مجلة علمية عربية في القرن التاسع عشر نجاحا شديدا، وخصوصا في مصر، لكنها اثارت مخاوف الاحتلال العثماني وارتعابه: فماذا يراد من العلوم؟ ألا يشكل الوعي والتقدم خطرا على الجهل والتخلّف؟ انتقلت "المقتطف" الى مصر، حيث عاشت الى 1952، عصر التأميم.
عام 2012، بعد قرن على خروج العثمانيين، وبعد كثير من القرن على موجة الاستقلال والحرية من الاستعمار الغربي، العلم ليس قضية مطروحة في العالم العربي. وإذا ما استخدم مطية، كـ"الفايسبوك"، فهو يوصل الى احزاب ترى في العلوم كفراً، وفي معالم التقدم إلحاداً. وفي لبنان، الذي خرج منه حسن كامل الصباح ويعقوب صروف وفارس نمر وشبلي الشميل وجرجي زيدان في القرن ما قبل الماضي، لا مكان لمجلة علمية الى جانب مئة اسم من المطبوعات وكليبات الهزّ.
كما في ظل قرون الامبراطورية العثمانية، لا يزال العلم ترفاً والتقدم مؤجلا. فالانسان العربي لا تزال همومه الوجودية بدائيات الوجود وبديهياته: الحرية والرغيف والكرامة البشرية، ولم تعرف سجون العثماني وسفر برلك الاعداد التي عرفها السجن العربي، ولا الهجرات التي عرفها سفر العرب. لذلك تفضي الديموقراطية في العالم العربي الى الاسف او الضحك: خمسمئة مرشح للرئاسة في مصر، وفي اليمن خمسة ملايين بشري غير قادرين على شراء طعامهم اليومي، وفي سوريا تمسح المدن للخلاص من "العصابات المسلحة"، فيما لا تقتلع شجرة في اوروبا إلا باستفتاء وطني.
أمامنا زمن طويل قبل ان ندرك معنى الاشياء، ليس "الديموقراطية" وحدها. فالديموقراطية مسار ذهبي لا مجاني. كم بقي السود في اميركا الديموقراطية من دون حقوق؟ كم ظلوا ممنوعين من دخول المدارس والمطاعم وركوب الصفوف الاولى في الباصات؟ كم من الاعوام عاشت اميركا الديموقراطية في ظل المكارثية التي تشبه في عسفها الشتاسي، والسيكوريت الرومانية، وربما المخابرات العربية؟
وهنا، على مقربة منا، حيث تقوم "الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط"، ماذا يجري؟ ارتفع عدد المستوطنين من 12 الفا الى 300 الف، بينهم رئيس "الديبلوماسية" افيغدور ليبرمان الذي يدعو الى اعدام النواب العرب في الكنيست اذا التقوا احداً من "حماس". ويقول اليخايم ليفانسون كبير حاخامي "الون موريه" إنه افضل للجنود مواجهة فرق الاعدام بالرصاص على ان يحضروا حفلا تغني فيه النساء. وأفتى بعدم جواز ترشح المرأة لأي منصب عام "لأن الزوج يمثل العائلة"، ومنع المرأة من الجلوس في المقاعد الامامية للباص، مثلما كان السود في اميركا، قبل ان تدمر هذا التمييز سيدة متواضعة تدعى روزا باركس اصبحت رمز الحقوق المدنية.
هؤلاء ليسوا الاقلية في "الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط" بل هم جزء من الائتلاف العنصري والمتوحش الذي بنيت عليه حكومة نتنياهو القائمة على دعوتين: استكمال الجدار، والدولة اليهودية.
دفع "الربيع العربي" بالقضية الفلسطينية جانبا. وقد تذكرتها القمة العربية في بغداد بأرفع ما تكون فروض الانشاء المدرسية. وصارت القضية، في القمة وخارجها، بابا عمرو وادلب وارياف المدن السورية الكبرى. وقد حمل الربيع الديموقراطي الى مصر الداعية وجدي غنيم، الذي تلقى نبأ وفاة البابا شنودة بالقول: "الحمد لله، بالامس من فضل الله علينا هلك رأس الكفر والشرك المسمى شنودة، الله ينتقم منه. نحن نفرح لهلاكه. نفق والحمد لله في ستين داهية".
مع تقدم "الديموقراطية" العربية ظهرت ملامح العلم الحديث. في دولة الامارات سجلت شركة اختراعا اسمه "رسالة الى الماء" هو عبارة عن آلة صغيرة تربط الى البراد، قادرة على ترديد الصلاة. وبعد اسبوع تصير للماء مئة فائدة على الاقل، بينها: الحماية من الحسد والسحر والعين، زيادة المناعة. زيادة التوقد الذهني عند الطلاب (لا رسوب بعد اليوم)، تنشيط الذاكرة، الوقاية من الامراض الخبيثة، طرد الشيطان، الشفاء من الصداع النصفي. الخ… الخ…
وبما ان الانفتاح على العلوم الحديثة قد بدأ، فقد أفتى رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث بأنه يجوز للمرأة التي يغيب زوجها فترة طويلة "استخدام الادوات درءاً للخطيئة"! وجن جنون نواب الحزب الاشتراكي فوجهوا تساؤلاً الى البرلمان حول مصير "العلوم" في بلد ثقافي مثل المغرب.
وفي تونس كانت القضية اشقاء ليلى طرابلسي وشقيق بن علي فصارت صهر الدكتور راشد الغنوشي الذي جُعِل وزيرا للخارجية اسوة بنادي الاصهار المتصاعد في العالم العربي. الديموقراطية مسار طويل وصعب. عندما استقلت غانا برئاسة استاذ جامعي يدعى كوامي نكروما، قال كاتب بريطاني: هذا لا يعني ان في الامكان نقل وستمنستر دفعة واحدة الى أكرا! كتب توماس فريدمان في "النيويورك تايمس" الاسبوع الماضي: بدل ان تستمروا في ارسال المساعدات العسكرية الى مصر، استبدلوها بمساعدات علمية. طبعا سوف نقول خلف ذلك هدف خبيث لأنه يريد ان يحرمنا تحرير فلسطين. الذي حرمنا تحرير فلسطين هو الجهل. اسرائيل تطور طائرات "الفانتوم" المبيعة للصين، وهي ثالث دولة مصدّرة للسلاح في العالم.
مجلة "علمية صناعية". متى؟ عام 1876. واذ تلحظ قمة العرب الثالثة والعشرون "حقوق المرأة"، لا بد ان تلحظ انه بعد 1876 بعشر سنين صدرت في بيروت مجلة نسائية تنادي بالمساواة!
المحزن ليس مساواة المرأة بل بين سائر المخلوقات العربية. فهذا الرجل الذي يتعفّر بتراب الاحكام، ويولد ويموت عاطلا عن العمل، ومستلقيا على قفاه في المقاهي بين اعقاب السجائر، لا يزال يرسل امرأته الحامل الى الحقول والترع والمنازل. او انه يجد لنفسه عملا نبيلا مثل استخراج الشياطين من الناس. هناك 300 الف من هؤلاء في مصر، حيث قتل احدهم بنت 14 سنة قبل شهر بالسكاكين لأن الشيطان اصر على البقاء داخلها.
ولاه، شيطان، شمروخ ممروخ طشيوت حشبوت، اطلع بره! رفض الشيطان سماع نداء العفريت شمروخ. جاءت الكاتبة فريا ستارك الى اليمن اربعينات القرن الماضي فوجدت ان الصداع النصفي يسمى الشقيقة، اي ان في رأس البنت المتألمة شقيقة تريد الخروج فيحدث كل ذلك الوجع. نصحتهم ستارك بالاسبيرين، هذا يكفي لاقناع الشقيقة بالعدول عن طلب الحرية. لا يمكن ان يبنى مستقبل، فردي او اممي، على الخمول، سواء أكان ديموقراطيا حرا مثل وائل غنيم، ام مزور انتخابات واستفتاءات مثل عرب ما قبل هذا الربيع. ليس عن رومانسية وبلاهة يشعر اهل الشرق بالحنين الى ماض كان فيه حريات وديموقراطية حقيقية وتنور وامل واحلام. ولكن بدل ان يطور النظام العربي الزراعة، اممها وتركها لمحاريثها وبغالها. وبدل ان يطور المصانع المزدهرة، اقفلها وطرد اصحابها وعمالها. وبدل أن يحاول تقليد الاشتراكية الرائعة تقمّص يوسف ستالين وفلسفته البسيطة: اقتل. القِ. اسجن. ثم لا تنس ان ترسم تلك الابتسامة الرؤوف.
تلك هي النصائح. عندما زار رجب طيب اردوغان مصر قال لسامعيه من "الاخوان": اجعلوا لمصر دستورا مدنيا، المدنية ليست ضد الدين. وعندما زار عبدالله غول تونس قال لـ"الاخوان": لا تفسدوا الدين بالسياسة. السياسة فساد حتى للإيمان.
تبدو المنطقة في فورتها الديموقراطية وكأنها تحمل سكيناً لا قبضة لها. كل شيء على حافة كل شيء. بدل الدولة "الصناعية"، الدولة المتخلفة والمفككة. نغبط اليوم الذين عاشوا اواخر القرن التاسع عشر. كان اليائس يهاجر من الحكم العثماني وليس من الظلم الوطني. وكان المقيم يحلم بذات يوم ذات دولة ذات وطن. ثم كانت النكبة الكبرى 1948، فشهدنا اول هجرة جماعية بالعنف. ثم صار في كل دولة شيء من فلسطين.