#adsense

عن كتاب “قاديشا” ومن وحيه

حجم الخط

في كتاب الكسندر نجار "قاديشا" دعوة الى زيارة متجددة للوادي المقدس. تستعيد بعضاً من تاريخه لا من باب الحنين وكتابة قصصه بل للتذكّر والتأمل.

الزيارة المقترحة متعددة المسار والمعنى. ولعلها احالتني مرة الى رحلتين او اكثر، فيها بعض من طعم الحج ولكن دافعها كان في المقام الاول اضطلاع بمسؤوليتي وزيراً للبيئة ومن بعد ذلك وزيراً للثقافة. لم يكن الحفاظ على بعض انحاء الوادي في وجه التعديات على النظافة ومن الابنية المخالفة للقانون امراً طبيعياً في نظر البعض ولا ممكناً في اعين البعض الآخر. ذلك ان الدولة لا تمتلك الادوات التي تتيح لها ان تؤدي دورها مؤتمنة على الخير العام ومدافعة عنه وهي معوّقة عن امتلاكها، فالدولة باتت عندنا سلطة بين السلطات وليست اقواها. واذا ما تمتّعت بشرعية لا نجدها عند سواها فإن الفعل باسمها ليس في واقع الامر مؤيداً، حتى بين الذين يقولون بها وبحصريتها. كما لم يكن يسيراً، من ناحية اخرى، التوفيق بين الحقوق الخاصة لأصحاب الاملاك في الوادي، التاريخيون منهم والجدد، والدلالات الرمزية والمقتضيات المعيارية المتصلة بوضع وادي قنوبين على لائحة التراث العالمي. وهو توفيق يستدعي توفيقاً آخر، أكثر صعوبة، بين حاجات البشر واحتياجهم لديمومة الحجر وما بين هوية الوادي الروحية والثقافية ووظيفته السياحية.

واحالني الكسندر نجار طيلة رفقة كتابه الى زيارات، فعلية او روحية، اصطحبني خلالها الخوري يواكيم مبارك لاكتشاف اصالة الاصل عوض التلهي بخرافته، على غرار الكثيرين، وللتعرف الحق الى المارونية التي، منذ النشأة وعبر العصور، انزلت النسك والزهد في منزلة كبيرة على صعيد وعي الذات وصورته. وكان العلامة الكفرصغابي، في مطارحاته ومصارحاته الانطاكية وفي التخاطب بين المسلمين والمسيحيين، لا ينفك يشدد المرة تلو المرة على ان اللقاء بين المسيحيين وبينهم وبين المؤمنين بالاسلام هو ايضاً لقاء قلوب يضيء فيها النسك والزهد جذوة لا تنطفىء.

وتذهب بنا رواية، الكسندر نجار في زيارة قصيرة الى سوريا، تبدأ من معلولا ومار موسى وتدمر وقلعة سمعان، تجيب رغبة مألوفة عند زوارها الغربيين في بحثهم عن الاصالة. غير انها تنتهي بزيارة درعا حيث كانت بداية انتفاضة الشعب السوري من اجل الحرية. وكأنه يشي بأن بين الاصالة والحرية علاقة عابرة للأزمنة. وحين يعود بنا الى لبنان، ولاسيما الى الوادي المقدس، يكمل البحث عن الاصالة في علاقتها بالحرية وان لم يقل ذلك جهاراً. وهو اذ لا يلمح ابداً الى رابطة لا انفصام فيها بين حرية سوريا وحرية لبنان، يثير فينا بمجرد استذكاره ايام الثورة الاولى من 6 آذار حتى 9 نيسان من العام الماضي، مشاعر ومواقف واسئلة متدافعة، لا يقوى الكذب او الإنكار عليها.

لهذا السبب لم اقاوم ما يراه البعض خروجاً عن الموضوع، فيما احسب ان الكتاب وصاحبه، لمجرد التوقف في صفحات معدودة عند اسباب ثورة الناس في درعا قبل ان يتحولوا مع سواهم من متظاهري سوريا السلميين ضحايا مقتلة ما زالت مستمرة، يسمحان بتأملات سريعة في الحالة السورية. لكن مسيحية الكتاب الذي نناقش جعلت من هذه التأملات بمثابة اسئلة مسيحية لا يغيب عنها قلق القلقين وخوف الخائفين. غير ان ثقل الاسئلة والهموم، وهو متفاوت، شيء وتأجيج المخاوف على نحو يبرّر التنصل الاخلاقي مما ينزل بالشعب السوري شيء آخر. ثم ان المخاوف المضخمة مما يخبئه المستقبل، وهي ذات دوافع ملتبسة ومرشحة دائماً للاستثمار السياسي، غالباً ما تحجب عن الانظار قيماً مسيحية اصيلة وتعيق التفكر الجدي في احتمالات الازمنة الآتية، ويفوتها ان انظمة الاستبداد اخافت المسيحيين وخوّفتهم من مواطنيهم مرة، واظهرت نفسها مدافعة عنهم ومطمئنة لهم مرة اخرى. وعلى هذا النحو، اخضعتهم بعد مفاقمة خوفهم واستدعت ولاءهم بحجة حمايتهم. وهي في ذلك توسلت، حسب الممارسة المعروفة، ادامة سيطرتها.

إلا ان كثرة من المسيحيين العرب، على اختلاف انتماءاتهم الكنسية واتجاهاتهم السياسية والفكرية وفي مدى تاريخهم المعاصر، لم ترَ نفسها على الدوام بصورة اقلية يأسرها الخوف بل سعت في سبيل الحرية، لها ولمواطنيها. صحيح انها عرفت احياناً توتراً بين هموم الاقلية وتطلعاتها لكنها اختارت ان تبدد هذا التوتر من طريق التزام قضية الحريات للجميع والدفاع عن حقوق الناس كلهم وتعزيز المواطنة وبناء دولة الحق. واياً يكن من امر الصعوبات والاخفاقات التي عرفها المسيحيون، لجهة تناقص اعدادهم النسبية وتراجع ادوارهم، ولاسيما في السياسة والثقافة، وتعرّضهم لضغوط او مضايقات، فان ثنائية الاقلية المنكفئة والغالبية الطاغية لم تُغلق عليهم ولم تطبع مواقف مجموع المسلمين حيالهم، على نحو لا فكاك منه. بل ان مشكلات المسيحيين كانت في معظمها تعبيراً عن مشكلات المجتمعات العربية كلها، ما يتصل منها بالمساواة والمشاركة السياسية او ما يختص بالتنمية والنهوض الثقافي. ولم يغب ذلك عن عدد كبير من رعاة الكنائس المسيحية ونخبها الدينية والثقافية، كما تبينه كتاباتهم ووثائقهم الكنسية ونداءاتهم، فضلاً عن ممارسات مؤسساتهم التربوية والاجتماعية وغيرها من الهيئات التي تعنى بما يُعرف تحت مسمى الشهادة المسيحية او الحضور المسيحي. ان هذه المواقف المتعاقبة والمنسجمة التي عرفناها في العقود الماضية، وقبلها مساهمات المسيحيين في حركة النهضة العربية منذ اوائل القرن الماضي، لم تفقد معناها، بل تستحق ان تستعاد وتتجدد في زمن التغيير العربي الكبير. فلا يقع المسيحيون، او بالاحرى يوقعون، في اقلوية عقيمة ومعطلة لدورهم في المساهمة في هذا التغيير.

مما لا شك فيه ان المسيحيين، مثلهم كمثل مواطنيهم، لا يتفقون في فهمهم التحولات في عالمنا العربي وما يبدو تاريخاً جديداً تقبل بلادنا عليه، ولا يجمعون على الاعتراف ان الكثير من الاسئلة لا تجد لها اجابات قاطعة وان المشكلات ليست بسيطة والخيارات متنوعة وتحتمل بعض الحيرة التي تستوجب بعض التواضع والإقرار ان وقتاً سيمضي قبل ان نصل الى توازنات سياسية واجتماعية ملائمة. غير ان اختلافهم في التحليلات والمشاعر والمواقف السياسية لا يعفي أياً منهم من المسؤولية الاخلاقية. فهل يستطيعون ان يكونوا في غربة عن التوق الى الحرية، ومتساهلين مع العنف ضد المدنيين، عنف القتل والتعذيب ومنع اسعاف الجرحى واغاثة المنكوبين، وساكتين عن الإساءة الى كرامة الشخص الانساني والى حقوقه الاساسية؟

بالطبع لا يجيب الموقف الاخلاقي على كل التساؤلات القلقة عند المسيحيين. الا انه يحفظ اصحابه اوفياء لأنفسهم ولدعوتهم الانسانية، ويقيهم من الوقوع فريسة التخويف المسيّس. فلا يجازفون بدورهم الشريك في عملية شاقة تبني المستقبل وتعي ان ما نشهده اليوم ليس آخر المطاف بل أوله.

تبقى كلمة اخيرة اقول فيها اعجابي بالكسندر نجار ومحبتي له. كان مستشاراً لي بارعاً ونصوحاً حين كنت وزيراً للثقافة وصار صديقاً عزيزاً. لا يعرف التعب ولا تثنيه صعوبة عن المساهمة الجادة في النهوض الثقافي لأن فيه يكمن معنى لبنان وهو ما لا يفارقه في أعماله الإبداعية المتنوعة وجهوده كافة. شكراً له ولكل ما ينجزه ولضمه قاديشا الى لبنانياته الجميلة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل