فجأة وجدوا أن سمير جعجع أو «الحكيم» تحوّل إلى رمز الثورات وربيع الشعوب العربية، بل الرائد والقائد الأول لها في احتفال البيال، فجأة امتدّت قامة «الحكيم» إلى تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، فاجأهم المشهد المسيحي ـ الإسلامي للقوات اللبنانيّة وقائدها، وفي الوقت الذي يقوم فيه رموز دينية مسيحية بالدور المطلوب منهم في «تفزيع» مسيحيي الشرق خدمة لديكتاتوريات عفنة، خرج «المارد المسيحي» في مؤتمر البيال ليطيح بكلّ هذه الفزّاعات وأصحابها من موقعه كقائد للمسيحيين في الحرب قبل السلم، وأقول وبصدق: منعني طارئ عن حضور مهرجان البيال فتابعته عبر الشاشة، لحظة انتهاء المهرجان أول ما وقع في قلبي جملة واحدة: «الحكيم أصبح الهدف رقم واحد»، بل الرجل وفي لحظة تحوّله إلى رمز عربي، كان يتحوّل أمام عينيّ وعبر الشاشة إلى معادلة صعبة جداً، الحكيم = لبنان، في هذه اللحظات الخطيرة من تاريخ المنطقة، وتاريخ لبنان، ومستقبل ومصير حلفاء الديكتاتور السوري في لبنان.
وإذا ما أراد أيّ قارئ أن يتأكد من صحّة هذه الخلاصة ـ المعادلة، ما عليه إلا أن يجول بنظره مستعرضاً وجوه السياسيين سواء قادة الصف الأول أو الثاني أو العاشر، وليقل لنا: أينهم؟! قيادة وحيدة تأخذ على عاتقها اليوم ثورة الأرز وبقائها بل وتحوّلها إلى مُلْهِمة لثورات الربيع العربي، وتحوّل معها الدكتور سمير جعجع إلى رمز حقيقي وحيّ في تجربة نضاله وسجنه عابراً للأوطان العربية، لذا كان لا بدّ من إطلاق الرصاص على التقارب المسيحي ـ الإسلامي في إطار الثورات والربيع العربي وخريف عهوده، المختصر برمزية «الحكيم»، ونردّد مع الرئيس فؤاد السنيورة ما قاله بالأمس مختصراً مشاعر اللبنانيين الواقعة تحت وطأة الصدمة: «يد الله أنقذت بلدنا».
وقد يكون ما قاله بالأمس الشهيد الحيّ مروان حمادة: «أمضينا 7 سنوات نتساءل عن الجهة التي تغتال في لبنان ولكن الحوادث تعيـّن هذه الجهة. فالجهات المنفذت داخليّة إلا أنها ترتبط بدمشق وربما أبعد وأبعد وأبعد من دمشق في ارتباطها بالعواصم الإقليميّة»، ومن يريد تفسيراً أكثر وضوحاً وبالأسماء سيجده في كلام «حكيم لبنان» الذي حاولوا اغتياله بالأمس: «ستبقى المسافة بين جونيه وصيدا اقرب من المسافة بين بيروت ودمشق، ومدينة بعلبك اقرب الى مدينة الحرف جبيل منها الى طهران».
فشلت بالأمس محاولة اغتيال أوّل عملية تقارب مسيحي ـ إسلامي على مستوى المنطقة العربيّة، عندما قرّر سمير جعجع انتزاع الخوف من صدور المسيحيين العرب، وتقريب المسافات بين ثوار الربيع العربي بعدما سارعت مرجعيات مسيحيّة إلى التخويف وبث القلق منها والوقوف مع القاتل ضدّ القتيل، بعدما قام بطاركة بحجم بشارة الراعي بالحديث عن ديمقراطية النظام القاتل في سوريا، وتقديس البطريرك غريغوريس لحام في صلاة لم يتردّد إعلانه فيها أنها من أجل «رئيسه المفدّى» بشار الأسد، لهذه كلّها كان لا بدّ من اغتيال سمير جعجع، والفرصة جاءتهم مؤاتية مع مناخ أوعز فيه لأبواق فلسطينية باعت نفسها للنظام السوري متهمة إياه بالتحريض على الفلسطينيين، أو الادّعاء بأن الأصوليّة السلفيّة اغتالته!!
المشكلة أننا نتعامل مع نظام غبيّ، والحمد لله على غبائه، الذي علّمنا لماذا اغتيل بشير الجميّل بعد نجاحه في تحقيق تقارب إسلامي ـ مسيحي، ولماذا اغتيل رشيد كرامي في وقت مميز وممتاز في توقيته لفراغٍ حكومي يُناسب سوريا بشدّة، وأن اغتيال صبحي الصالح والمفتي الدكتور حسن خالد من بعده بسبب تهمة التقارب المسيحي ـ الإسلامي، ولماذا اغتيل رفيق الحريري عندما خرج إلى العلن التقارب الإسلامي ـ المسيحي، وفي لحظة خطيرة جداً إقليمياً ودولياً.
أمّا لماذا سمير جعجع، فهذا أمر لم يبدأ بعد احتفال البيال وكلمته المدوية فيه، وهو أيضاً لم يبدأ مع حلّ القوات اللبنانية واقتياده إلى السجن إمعاناً في تعذيبه لأنهم ظنّوا أنهم بهذا لن يمنحوه فرصة شرف التحوّل إلى بطل مسيحي، بكلّ ما في غياهب ذاكرة السجن من إذلال ونسيان، وهذا أمر لم يبدأ أيضاً في 13 كانون الثاني عام 1986 ـ كما كنت أظنّ حتى الأمس ـ هو أمر بدأ في بشري ومنذ العام 1976، ولنا غداً مقالة مكاشفة علّها تكشف معنى معادلة أن الحكيم = لبنان، لأنه لولا الدكتور سمير جعجع وانتفاضته عام 1986 لما كان هناك لبنان اليوم…
سلمت يد سمير جعجع التي استدعتها زهرة جميلة أنقذته من رصاصات الغدر المحليّة والإقليميّة، وهذه النجاة الإلهيّة جاءت في توقيت صعب لتؤكّد للبنانيين أن اللطف الإلهي يحفّ بوطنهم، وأن العناية الإلهيّة محيطة بقيادة حكيمة، أفسدت على الجناة ومن وراءهم مخططات تخويفهم للمسيحيين واللبنانيين عموماً، والمطلوب من القوى الأمنية وقياداتها التي سبقت وحذّرت الحكيم من تهديد أمني يُحيط به، أن يقوموا بواجباتهم، فمن غير المقبول أن يُفلت الجناة بمحاولتهم وإن باءت ـ والحمد لله ـ بالفشل الذريع.