#adsense

انحنى جعجع في الحديقة ليقطف زهرة فأخطأته الرصاصة بـ10 سنتيمترات…”النهار”: القناصة كمنوا في حرج دلبتا واستخدموا بندقيتين عن بعد 1500 متر

حجم الخط


كتب إيلي الحاج في صحيفة "النهار":

ليست المرة الأولى يقف سمير جعجع عند الحافة بين الحياة والموت. فمراراً كثيرة تعرض لأقصى الخطر والإصابات خلال الحروب الطويلة التي عاشها وقاد بعضها بين 1975 و1990.

في المرحلة التي تلت رفض رئيس "القوات اللبنانية" السير مع الركب في الزمن السوري قيل له أمامك السجن أو الهرب أو القتل فاختار السجن، ومن غدراس إلى اليرزة كان يخشى أن يقتلوه على الطريق، وفي زنزانته الإنفرادية كان جلّ همه في الزمن المديد 11 عاماً أن يصمد ويبقى على قيد الحياة حتى يطلع صباحه.

بعدما انتقل من الأرز إلى بزمار إلى معراب أقلقته إطلالة تلال ناحية دلبتا على منزله ومقر الحزب، حيث لا يتخلى عن عادة المشي السريع ذهاباً وأياباً في الهواء الطلق بين الأزهار، يومياً ربع ساعة على الأقل. ولعلّ مخططي محاولة اغتياله والمنفذين انتظروا كالصيّادين سماء ربيعية صافية تغريه بالخروج مدة أطول والابتعاد عن الساحة المحفوفة بالأسوار، البعيدة عن الأنظار عند مدخل البيت – المقر. وهو لا يتمشى عادة في الحديقة الجميلة المجاورة قرب البوابة الحديد الكبيرة إلا في العتم ، لكنه أمس توجه إليها في ضوء الشمس. وكانت الساعة الحادية عشرة وثلاث وثلاثين دقيقة قبل الظهر.

كان سأل معاونيه مرة عن إمكان تركيز رادارات تسجل التحركات المحتملة في الأحراج المحيطة بمعراب، لكن شسوع المسافات في تلك البقعة المعلقة ترك الموضوع معلقا. وصدق حدسه فمن حرج دلبتا الكثيف المواجه انطلق رصاص القنص على رئيس الحزب السياسي المقاتل السابق من مسافة لا تقل عن 1500 متر.

أنقذته زهرة برية كان انحنى ليقطفها. فالرصاصة الأولى أخطأته بعشرة سنتيمترات لا أكثر، على ما كشف لـ "النهار" أحد القريبين منه، أما الرصاصة الثانية فأبعد لأنه كان ارتمى على التراب. هكذا نجا بمعجزة، والأرجح أنه في تلك اللحظات الفاصلة بين أزيز الرصاصات وسماعه الطلقات عادت إلى ذاكرته وجوه شهداء من رفاقه في "القوات" و14 آذار. بعد دقائق على إعلان إعلام الحزب الخبر سيجيب مسؤول حزبي في غدراس أحد المتصلين المستفسرين بأن "الله نجانا".

للوهلة الأولى بدا الخبر صعب التصديق. فمن جهة مضى زمن بعيد على آخر جريمة اغتيال أو محاولة اغتيال لقيادي في 14 آذار، ليس بسبب من توبة القتلة عن القتل بل بفعل تفاهم خارجي كان يبدو حتى الأمس محترماً وترسخ في اتفاق الدوحة 2008. ومن جهة كيف تكون عملية قنص برصاص 12٫7 ملم ، أو "رشاش الـ500" الموازي للدوشكا الشهير في حروب لبنان البشعة؟ فهذا سلاح ثقيل يستحيل التحرك به فضلاً عن إصابة هدف بشري من مسافات بعيدة.

لكن الرصاصات والشظايا لا تكذب . من عيار 12٫7 ملم وتعني أن الفاعلين استخدموا بندقيتين نادرتين تشبهان الـ "إم 107 " بحسب خبير ضابط كبير متقاعد في الجيش. وهذه من صنع الولايات المتحدة، نوع "براوننغ" وفي حوزة الجيش الأميركي منذ العام 2002. وزنها 12,9 كلغ وذات منظار متطور وترتكز على قائمتين مستندة إلى أخرى خلفية، وهي تطلق 10 رصاصات، طلقة طلقة ويصل مداها إلى 1800 متر. وهناك بنادق مماثلة لها روسية وأوروبية. وطبيعي أن الجهة التي تحوزها ليست أياً يكن، كما قال جعجع ، وأن المراقبة بالمناظير والكاميرات الموصولة استمرت أياماً طويلة وربما أسابيع. وقد أكدت مصادر التحقيق ليلا ان الفاعلين أكثر من شخصين وكانوا مختبئين في "هيشة" لا تظهر منها سوى فوهتي البندقيتين ومنظار الكتروني.

فاجأت المحاولة بالطبع الرجل الشديد الحذر. ولشدة احتراف المخططين والمنفذين كاد يسمي الجهة التي يتهمها في مؤتمره الصحافي. من هو الفريق المحلي الذي لا يزال "الشيطان" يركب رأسه، والمتطور تقنياً وعسكرياً إلى هذا المستوى؟

في أي حال، لم ينج جعجع وحده بل "القوات اللبنانية" في الدرجة الأولى – مرة في الثمانينات قال لي جعجع إنه يحرص على حياته ليس كحرص الآخرين على حياتهم لأنه لا يريد السماح لخصومه بأن يغلبوا "القوات" – في الدرجة نفسها نجت قوى 14 آذار في مرحلة هي بأمس الحاجة إلى الرجل الذي يتخذ مواقف جريئة ويواجه الخصوم بقوة وبلا تردد، مميزا خطه السياسي باستقامة وطنية يعترف له بها حتى من يناصبونه العداء، ونجا اللبنانيون جميعاً من خضة كانت ستترك تداعيات لا يمكن التكهن بها.

بالتأكيد سيزداد حذر رئيس "القوات" الذي يحوط نفسه بحماية من ذوي الولاء المطلق وإجراءات وقائية يصعب اختراقها في حلّه وترحاله. وهو دوماً يسبق من يحتمل أن يراقبوا تحركاته . هل يعرف أحد أنه نزل في أحد أيام ذكرى 14 آذار قبل سنوات إلى بيروت في شاحنة تقل أغناماً وبدّل ثيابه في أحد الأمكنة، ليتوجه على الأثر إلى ساحة الشهداء ويخطب في الحشود؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل