عبء ثقيل مختلف بعد 4 سنوات من الدوحة
استهداف جعجع يفتح الباب للاحتمالات الكبيرة
ليس امرا بسيطا ان تعود نغمة الاغتيالات الى البلد بعد غياب اربع سنوات من اتفاق الدوحة الذي ساد اعتقاد ان مفعولا ضمنيا اسفر عنه من هو وقف الاغتيالات في حين ان اطرافا دوليين لم يخفوا حينها معلومات مفادها ان اعادة سوريا الى لبنان سياسيا كان الثمن الباهظ لوقف الاغتيالات في ذلك الوقت. وقد كانت هذه الاطراف جزءا اساسيا من هذا الاتفاق وهي دخلت فعلا على خط انهاء الحالة التهديدية التي سادت فوق رؤوس زعماء وقادة لبنانيين لسنوات عدة. وقد ادى هذا الدخول الى اثمان كان من بينها ظاهريا وعلنا على الاقل اتفاق الدوحة لبنانيا فيما تم السعي الى فك العزلة الدولية التي كانت فرضت على النظام السوري على اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. المهم ان هناك قرارا صدر بوقف عمليات الاغتيال وهو ما حصل في ذلك الوقت. فهل صدر قرار مغاير راهنا ومن يقف وراء مثل هذا القرار؟
هذا السؤال يطرح بقوة باعتبار ان عدم نجاح محاولة اغتيال جعجع لا يلغي احتمال حصول محاولات اخرى تستهدف شخصيات اخرى وتتعدى واقع توجيه رسالة عبر جعجع الى اخرين. واذ تبدو الاجابة عن بعض الاسئلة راهنا متسرعة في ظل عدم توافر كل المعلومات الضرورية لمعرفة الفاعلين وغلبة طابع الاستنتاج والتحليل وحتى الاجتهاد فان المحاولة تفتح المجال امام تساؤلات كبيرة في هذا الاطار على خلفية تتصل بالوضع السوري في الدرجة الاولى باعتبار ان العامل السوري يظل عاملا قائما مؤثرا في اللعبة السياسية اللبنانية وفي محاولة استثمار ميزان قوى معين , كما على خلفية اخرى تتصل بالاعتبارات الداخلية كونها اول محاولة مثبتة بالوقائع بعد سلسلة تحذيرات عن تهديدات تحوط بشخصيات سياسية لبنانية. فالمسألة باتت محسوسة وليست كلامية او تحليلا لمؤشرات معينة على رغم ان الاجتهاد حول الاسباب قد يكون صعبا. اذ قد ترتبط هذه الاسباب بما قاله جعجع نفسه حول تصاعد قوته وتوسع اهميته خارج اطار المارونية التقليدية في منطقة معينة او قد ترتبط باسباب اخرى لكن استهداف جعجع تحديدا قد يخفي جملة امور باعتبار انه كانت له ولا تزال عداوات في حين ان استهداف سواه في حيثية مختلفة قد يكون سهلا توجيه اصابع الاتهام فيها الى جهة محددة اكثر من سواها في حين ان الامر مع جعجع قد يكون اكثر صعوبة.
المسألة ان محاولة الاغتيال، ووفق ما ترى مصادر معنية، تلقي بعبء ثقيل على الجميع وهي تمثل تحديا حقيقيا بالنسبة الى الدولة وسلطاتها السياسية والامنية. فزمن الاغتيالات قبل اربعة اعوام كان مختلفا من حيث الظروف والمعطيات في حين ان الاوضاع قد تغيرت الى حد كبير ان لم يكن جذريا اذا صح التعبير. اذ ان هناك دولة ومؤسسات تعمل وكان لافتا حصول هذه المحاولة في ظل مفارقة ليست مقصودة بالضرورة لكنها لافتة، كون رئيس المحكمة الدولية ديفيد بارغوانث كان انهى او على وشك انهاء زيارته الى لبنان بعد لقائه المسؤولين. واذ دحض وزير الداخلية مروان شربل التشكيك الذي ساقه البعض مؤكدا جدية محاولة الاغتيال، فانه القى وفق ما رأى كثر ظلالا من الشكوك والحيرة في تصريحه حيث اعتبر ان الجلوس الى طاولة الحوار هو ما يحل موضوع الاغتيالات "من دون الحاجة الى انتظار نتائج التحقيق" كما قال. لكن الامر ان الجميع يتطلع الى ان تعمل السلطات الامنية على كشف من يقف وراء هذه المحاولة اقله بالعمل الميداني التنفيذي على الارض. ذلك ان عجز السلطات عن ايجاد بعض الخيوط الايلة الى معرفة الفاعلين او المنفذين سينزع ورقة مهمة من الذرائع التي رفعها فريق 8 اذار طويلا حول عدم لجوء لبنان الى المحكمة الدولية من اجل ايجاد قتلة الرئيس رفيق الحريري لان الاجهزة الامنية والقضاء اللبناني قادران وفق هذه الذرائع على كشف من نفذ اغتيال الحريري. وتاليا هذه فرصة مهمة للاجهزة الامنية لكي تثبت صحة هذه النظرية اي تمتعها بالقدرة على ان هذا الفريق هو الذي يمسك بكل مفاصل الدولة ويتعين عليه بالمسؤولية المباشرة ضمان كشف ملابسات محاولة من هذا النوع فضلا عن منعها من الاساس. علماً ان منطق الامور لا يسمح بالتعويل كثيرا على كشف الفاعلين وقد لا يتخطى الامر اطار التحليلات والاجتهادات في هذا الاطار.
الا ان ما رافق او حصل بعد الاعلان عن محاولة الاغتيال من تشكيك انما يعبر عن واقع مقلق في لبنان في المرحلة الراهنة نتيجة الانقسام السياسي الحاد بين الافرقاء فيه. اذ بدا ان مسارعة جعجع الى الاعلان عنها بالتفاصيل الدقيقة وعن التحضير لها منذ فترة طويلة وما يمكن ان يثيره ذلك من تعاطف شعبي بالنسبة اليه على نحو يمكن ان يستفيد منه سياسيا ازعج خصومه الذين شككوا في حصول المحاولة في الاصل وصدرت تصريحات كأنما كان يفترض ان تنجح عملية الاغتيال او ان يصاب على الاقل احد مرافقي جعجع لكي تكتسب المحاولة صدقية وفق ما عبر عن ذلك نواب وسياسيون بدل ان يعمد هؤلاء الى استنكار المحاولة واستنكار اللجوء الى عمليات الاغتيال انطلاقا من ان الامن هو خط احمر ممنوع خرقه مبدئيا بالنسبة الى الجميع في لبنان خصوصا ان الحكومة هي حكومة 8 اذار وهي مسؤولة عن امن الجميع.