"يا أخي ببساطة، نحن نعشق لبنان!" أجابني أحد الزملاء الإعلاميين العرب، عندما سألته عن الأسباب الكامنة وراء زياراته المتعدّدة للبنان، على امتداد السنة، وأضاف متعجّباً: "هل من سبب كي لا نعشق البلد، أو لا نتعلّق بأهله الطيّبين والمضيافين والمعولَمين والأنيقين والمحبّين للحياة، أو لا نُقدّر حيويّته وطبيعته ومناخه ومطبخه الشهي… أو لا نتأقلم حتى مع بعض مظاهر الفوضى فيه؟!" أحسست باعتزاز ممزوج بشيءٍ من الإحراج أمام ما قاله هذا العاشق للبنان، الذي يَشعُر، عندما يكون في ربوعنا، بأنه عصفور حرّ طليق، يطير ويعلو ويغرّد و"يُتَوتِر" (من Twitter!)… ويأكل ويشرب وينام ويصحو على هواه.
الاعتزاز مردّه إلى الشعور بفخر الانتماء إلى هذا البلد الصغير، الكبير بطموحاته، والمتألّق بفضل طاقات أهله، ومهاراتهم، ومبادراتهم الفردية، وإبداعاتهم، والنجاحات المحلية والإقليمية والدولية التي حققوها، وذلك بالرغم من الحروب والعذابات والمآسي وقلّة الموارد والخيبات على مرّ الأجيال. والاعتزاز يعود أيضاً إلى أن "الوطن – الرسالة" تمكّن من تخطي الصِعاب والاستمرار بفضل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والنظام التربوي، والقطاع المصرفي، والخدمات المتنوّعة، والنظام الديموقراطي (على علاّته!)، والحريّات العامة والخاصة… والأهم، عزّة اللبنانيين وإيمانهم وتضحياتهم ورفضهم الموت أو الانصياع، حتى وإن اشتدّت الظروف وازدادت الهجرة.
أما الإحراج، فمصدره أن بعضنا صار، مع الوقت، يأخذ ما يوفّره وطن الـ 10452كلم2 على أنه تحصيل حاصل، أو جزء من علاقة غير متكافئة، نُعطيها ولا تُعطينا… وبالتالي، لا يرى في البلد إلاّ ما يُحبِط، وما لا يُلبّي الطموحات، وما لا يحقّق الأحلام: دولة عاجزة ومفكّكة ومدينة، وسلاح غير شرعي منتشِر، واغتيالات سياسية، وساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، واقتصاد ريعي بطيء، ووظائف تحفّز الهجرة، وإدارة هرمة وشاغرة وفاسدة، وخدمات عامة شبه غائبة ومُكلفة، وبنى تحتيّة متصدّعة، وبيئة مختنِقة، وملفّات مُزمنة ومشاكل متراكمة… والأسوأ، "تجار سياسة" ممّن يمتهنون صراعات الماضي وشعاراته، ويلبسون ثوب الطائفية، والمذهبية، والمحاصصة، والزبائنية، والولاء للخارج، والإفساد، وصرف النفوذ، والإثراء غير المشروع… يَملؤون الشاشات من دون أن يملؤوا قلوب المواطنين وعقولهم والجيوب!
أمام هذا المشهد المتناقض، قُلت لمحدِّثي: "نحن مثلك وأكثر، نُحبّ لبنان، كلٌّ على طريقته ولأسبابه الخاصة"، كما دعوته إلى الاستمرار في زيارة بلد الأرز، والاستثمار فيه، والاستمتاع بـ "بلده الثاني"… متمنّياً في قرارة نفسي، أن تزول الأسباب التي تدفع ببعضنا، مُرغَمين، إلى النفور من لبنان أحياناً… لنهتُف قائلين: "نعشق لبنان، ولِمَ لا!".