القنص بالرشاشات الثقيلة على الدكتور سمير جعجع في مقرّه بمعراب، اخترق أجواء الاستقرار الأمني، الذي بدأ يستشعره اللبنانيون منذ اهتزّت الساحات المجاورة، تحت عصف الربيع العربي، رغم الارباك السياسي الناجم عن المعاناة الذاتية لحكومة ائتلاف الأكثرية مع قوى الوسط.
هذا الاختراق المتزامن مع اقتراب الأوضاع السورية من مظلّة المبادرة العربية المدوّلة، وسّع دائرة قلق اللبنانيين، الذين ما نعموا بفسحة من الاستقرار إلاّ بانشغال الآخرين عنهم، وقد وجدوا في محاولة اغتيال حكيم القوات اللبنانية، والإحكام الذي اتسمت به، والسلاح المتقدّم الذي توسّلته لهذا الغرض، مؤشرا على ربيع لبناني مختلف.
انها أول محاولة اغتيال سياسي منذ ١٩ أيلول ٢٠٠٧، وهو تاريخ اغتيال النائب الكتائبي أنطوان غانم، الذي كان آخر حلقات الموت المفروضة على قوى ١٤ آذار والتي بدأت بمحاولة اغتيال النائب مروان حمادة في أواخر سنة ٢٠٠٤.
وليس ما يشجّع على الاعتقاد، بأن هذه المحاولة تشكّل حالة بذاتها، وبالأحرى ليست جزءا من مسلسل دموي جديد، علماً ان النيل من قائد القوات اللبنانية، الذي بدأ يعيق طموحات الطامحين، ويعرقل مساعي الساعين، بخطه المستقيم ومبدئيته الثابتة، من شأنه زلزلة الأوضاع اللبنانية بمقياس ما بلغته إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن تلاه من القادة والشخصيات على طريق الشهادة. ومن هنا فان هذه المحاولة، أكانت حلقة من سلسلة، أو حالة بذاتها، ليس من اليسير تقدير حجم ارتداداتها الأمنية والسياسية على هذا البلد.
وثمة من أدرج هذه المحاولة في خانة تحدّي المحكمة الدولية، التي لجمت حركة الاغتيالات المفتوحة، مع نشوئها في العام ٢٠٠٩، تبعاً لتزامنها مع وجود رئيس المحكمة الدولية في بيروت، لكن الاعتقاد الأكثر تجانساً مع الواقع والمنطق، أن سمير جعجع بلغ من الحجم السياسي والمعنوي، الداخلي والعربي، ما لا يتقبله أصحاب المقاييس والأوزان، المتاجرون بحماية الأقليات، والذين يضيرهم رؤية من يفسد تجارتهم وقد بدأ يتحرك على مستوى الزعامة المسيحية المشرقية داحضاً الحاجة للحماية الفئوية فبادروا الى محاولة الغائه بالقنص بعدما أيقنوا استحالة تحجيمه بالانتخابات المقبلة…
والمؤكد أن الأصابع التي ضغطت على زناد القناصات، لم تقرأ تاريخ الأحداث اللبنانية التي لم تعشها، لعامل السن، وبالتالي لم تستفد من التجارب، ولا استخلصت الدروس،
أو لم تعها، فعادت تتوسل العنف سبيلاً للكسب السياسي، أو لتصفية الحسابات السياسية المتطيفة أو المتمذهبة، أو ذات البعد الاقليمي العابر للبنان.. ولو على حساب كيانه ومؤسساته، فعادت تحشره في زاوية الموت البطيء، دولة ومؤسسات، وشعباً قبلها وبعد.
الرئيس نجيب ميقاتي اتصل بالدكتور جعجع، معتبراً هذا العمل ماساً بأمن الوطن والمواطن.. وهو ما يمهد لاحالة الملف الى المجلس العدلي، طبعاً عندما يصبح هناك مجلس عدلي، ووزير الداخلية، تحدث عن طابور خامس، استغل الاحتدام السياسي، ليعبث بالدماء العكرة…
الطوابير الخامسة موجودة في كل مكان وزمان، ولها في كل عرس قرص، ولكن اذا لم يكن من مكان يأوي أو عرس يوفر لها فرصة الغناء والرقص، فلا مكان للطوابير، ولا من يطبّل أو يزمر…