محاولة اغتيال جعجع: رسائل إلى أكثر من جهة
تخويف 14 آذار قبل الانتخابات وضرب الاستقرار
لا تزال أصداء محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع تتردد محلياً وإقليمياً ودولياً وتثير كثيراً من الاسئلة منها: لماذا توقفت سياسة الاغتيال ولماذا تعود في هذا الوقت بالذات، وما هي حقيقة الاسباب والدوافع مع أن كثراً ظنوا أن لا عودة لهذه السياسة بعد قيام المحكمة الخاصة بلبنان؟
أوساط سياسية مراقبة تربط جرائم الاغتيال في لبنان منذ وقوعها بجهات خارجية تخطط لها وجهات داخلية تنفذها. فقد اغتيل الامام موسى الصدر لأنه رفض أن يظل الجنوب نقطة انطلاق للاعمال الفدائية. واغتيل الزعيم الدرزي كمال جنبلاط لأنه رأى أن الحرب في لبنان باتت حرباً عبثية وقرر الخروج منها، وكان هذا ممنوعاً قبل أن تحقق أهدافها. واغتيل الرئيس بشير الجميع لأنه رفض توقيع اتفاق سلام مع اسرائيل إلا مع موافقة الشريك المسلم. واغتيل المفتي الشيخ حسن خالد لأنه دعا في مجلس خاص الى انسحاب القوات السورية من لبنان. واغتيل قبله الصحافيان البارزان رياض طه وسليم اللوزي. وهجر العميد ريمون اده لبنان لأنه عارض بشدة قيام حرب داخلية فيه وعرف سلفاً انها ستكون حرباً عبثية ورفض المشاركة فيها. وهجر الرئيس صائب سلام للسبب نفسه. واغتيل الرئيس رينه معوض لأنه صمم على تنفيذ اتفاق الطائف تنفيذاً دقيقاً كاملاً بدءاً بوضع جدول زمني لانسحاب القوات السورية من لبنان. ونفي العماد ميشال عون إلى فرنسا لأنه خاض حرب تحرير لبنان من القوات السورية. وأدخل الدكتور سمير جعجع السجن لأنه ظل مصراً على المطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان ولم يتراجع عن ذلك رغم الترهيب والترغيب. واغتيل الرئيس رفيق الحريري بتهمة انه شارك في قرار مجلس الامن الرقم 1559 الذي يدعو إلى انسحاب القوات السورية من كل لبنان وانتخاب رئيس للجمهورية وفقا لأحكام الدستور. واغتيل القيادي البارز في حزب الكتائب الوزير بيار أمين الجميل لأنه أعاد النشاط الى الحزب وأخرجه من حال الجمود والتبعية. واغتيل داني شمعون رئيس حزب الوطنيين الاحرار للتخلص من القيادات الكبيرة كي يسهل التعامل مع قيادات صغيرة وإخضاعها… وتلقى الرئيس امين الجميل تهديدات اضطرته الى مغادرة لبنان، كما تلقى نواب وسياسيون بارزون في قوى 14 آذار تهديدات ارغمتهم على البقاء في منازلهم أو المكوث في الفنادق تحت حماية مشددة. واغتيل الصحافي سمير قصير لأنه بدأ في مقالاته الجريئة يفتح أبواب الربيع اللبناني مخافة أن يزهر في العالم العربي وتحديداً في سوريا. واغتيل جبران تويني صاحب القلم السيد الحر المستقل الذي لم يهادن الوجود العسكري السوري في لبنان وكل من هم مع هذا الوجود، ولم يتردد في توجيه كتاب مفتوح الى الرئيس بشار الاسد في الصفحة الأولى من جريدة "النهار" قال فيه ما يريد قوله بجرأة وشجاعة وكان صاحب القسم الشهير في مهرجان 14 آذار والذي لا يزال يردده اللبنانيون الوطنيون الى اليوم. ولم ينجُ رجال دين من الاغتيال او التهديدات وعلى رأسهم البطريرك الكاردينال صفير الذي كان رأس حربة في معركة استعادة استقلال لبنان وسيادته.
ولم تتوقف جرائم الاغتيال حتى بعد انسحاب القوات السورية من لبنان وذلك لمنع قيام المحكمة للنظر في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه والجرائم المماثلة بما فيها محاولات اغتيال مروان حماده والياس المر وجورج حاوي.
وها هي الآن تعود بمحاولة اغتيال جعجع الذي يقف بقوة في وجه النظام في سوريا ومع الشعب السوري الذي يطالب باسقاطه. ولهذه المحاولة أبعاد كثيرة ورسائل توجّه إلى أكثر من جهة منها:
أولا: جعل الخوف يدبّ في صفوف قيادات قوى 14 آذار كي ينكفئوا خلال المرحلة الدقيقة التي تواجه فيها سوريا معركة مصيرية، ولا يخرجون من منازلهم أو يغادرون البلاد كما غادرها الرئيس سعد الحريري خوفا على حياتهم.
ثانياً: ان تواجه قوى 14 آذار الانتخابات النيابية في 2013 وقد فقدت قيادياً بارزاً يشكّل مع حزب الكتائب فيها حلفاً ثنائياً يمثل الغالبية المسيحية ويكون أشبه بقوة "الحلف الثلاثي" في الماضي بحيث تفوز هذه القوى بأكثرية المقاعد النيابية التي تمكنها من الحكم وتسلم المناصب العليا في الدولة.
ثالثاً: ان يضرب اغتيال جعجع الامن والاستقرار اللذين ينعم بهما لبنان حالياً، ويعرض الحكومة التي لا شيء يشفع ببقائها سوى الاستقرار للسقوط فتكون بعدها الفوضى وعودة لبنان الى المجهول في وقت يتواجه المحوران الاميركي ومن معه والايراني ومن معه، وعلى نتائج صراعهما يتغير وجه المنطقة.