Site icon Lebanese Forces Official Website

أيّ ثورة تنتصر لن تكون أسوأ من النظام الحاكم (بقلم د. أنطوان سعد)

إلى من رفع الشعار القائل: "أطلِقِ الرصاص حيث شئت في جسدي أموت اليوم ويحيا غداً بلدي". أذكر أنّ هذا الشعار كتب بالمياه والتراب على كرتونة رفعها أحد الثوّار في المسيرات الليلية، وهو شعار يعبّر عن بساطة هذه الثورة وضميرها في آنٍ معاً إنّها ثورة شعب سُلخَ جلده ونَخر عظمَه الاستعباد فانتفض وثار.

وإذا كان من غير الجائز مقارنة ثورة بأخرى لاختلاف مقوّماتها وأسبابها وظروفها الداخلية والخارجية، إلّا أنّه ووفقاً للحسابات السوريّة الداخلية لتطوّر مسار الأحداث نرجّح انتصار الثورة بغضّ النظر عن أيّ سلطة قد تنتجها هذه الثورة التي لا يمكن أن تكون أسوأ من النظام الحاكم، هذا النظام القائم على الحزب الواحد وعلى قبضة العسكر على مفاصل الحكم وغياب كلّ معايير الحياة الديمقراطية حيث لا تداول على السلطة ولا حياة حزبية صحيحة (أي تعدّدية حزبية حقيقية) كلّ ذلك في ظلّ قمع الإعلام الحر، وهذا ما يقوم به أيّ ديكتاتور على وجه الأرض، أمّا ما دفعنا للقول بأنّ أيّ ثورة ستنتصر في سوريا ستكون أفضل من النظام الحاكم في سوريا فمردّ ذلك عائد للأسباب الآتية:

– لا يمكن لقادة الثورة الذين عاشوا في الخارج أن يمارسوا ممارسة غير ديمقراطية، وإلّا فالأفضل لهم البقاء في الخارج كي لا ينتقلوا من ممارسة ديموقراطية إلى ممارسة غير ديمقراطية.

– إنّ الخوف من الإسلام السياسيّ وإن كان جائزاً، لكن الإسلام السياسي في ظلّ الديكتاتورية هو أخطر منه في ظلّ الديموقراطية، فهل كان للسلفيّين أو الأصوليّين أن يبرزوا إلّا في ظلّ الفقر والجهل والتقوقع، في حين أنّ تحسّن الدخل الفردي سينعكس تطوّراً ثقافيّاً واجتماعيّاً على الفرد كما هو الحال في تركيا مثلاً، فهل يقيّد الإسلام السياسي الحياة الديموقراطية هناك؟ أم أنّ أهمّ مظاهر التمدّن تشهدها تركيا في ظلّ دولة علمانيّة جلُّ مواطنيها من المسلمين؟؟؟ وهذا ما أكّد عليه غبطة البطريرك الراعي في عظة الأحد 1/4/2012.

وإذا كان الإسلام السياسي في سوريا هو غيره في تركيا فليس علينا إلّا المراهنة على قدرة المثقّفين في سوريا على التغيير، بالإضافة إلى أنّ توزيع الثروة من شأنه أن يطوّر الحياة الاجتماعية والسياسية على حدٍّ سواء.

– إنّ مجرّد حصول الثورة في سوريا لا يمنع أن يؤدّي إلى حصول ثورة على الثورة إذا لم تؤدِّ هذه الثورة غايتها، وهذا أمر حتميّ كما حصل في فرنسا وبريطانيا وسواهم من الدول، وهذا ما قد يحصل في أيّ دولة لا تعتنق الديمقراطيّة أو عندما لا تحقّق الثورة غايتها.

– وكي لا نمرّ في هذا الوطن العربيّ بكلّ الثورات المتلاحقة التي مرّت بها أعظم الديمقراطيّات في العالم من ثورة بريطانيا مع Cromwell إلى ثورة فرنسا مع Robespierre حيث احتاجت كلّ منها إلى إعدام هؤلاء بعدما تبيّن أنّهم ليسوا إلّا مشروع ديكتاتوريّين جدُد آملين أن تتجنّب مصر وليبيا وتونس واليمن هذه التجربة، من هنا علينا أن نتّعظ كي تنتج الثورة ديموقراطية صحيحة.

– كما أنّه من النافل القول إنّ هذا النظام الديكتاتوري هو من يحمي الأقلّيات لأنّ الدور السياسي لهذه الأقلّيات غير موجود أصلاً، إذ لا يمكن لأيّ جماعة أن تتطوّر إلّا في ظلّ نظام ديموقراطيّ تمارس فيه تطلّعاتها السياسية من خلال الانتماء إلى أحزاب وطنية فاعلة.

وإذا أخذنا النموذج المصري الحاليّ فإنّنا نشير مثلاً إلى أنّ وضع الأقباط في مصر كان سيّئاً جدّاً في عهد مبارك، حيث كانت تتمّ حراسة الكنائس من قِبل الأمن المصري منعاً لإدخال مواد بناء لترميمها وليس للحفاظ على أمنها، فيما اليوم يسهل بناء وترميم الكنائس القبطية مقارنة بالوضع السابق، على ما روى أحد أساقفة هذه الكنيسة في محاضرة ألقيت في دير طاميش مؤخّراً تناولت وضع مسيحيّي الشرق.

كما نشير إلى حدث بارز آخر تمحور في الإفراج عن عقارات بملايين الأمتار للبنانيّين معظمهم من المسيحيّين كانت قد أمّمت منذ خمسين عاماً.

والسؤال الأبرز الذي يتبادر إلى الذهن في هذا الصدد، هل حمى النظام الديكتاتوري السوري المسيحيّين كأقلّيات في هذا الشرق، لا سيّما في لبنان وفلسطين والعراق وسوريا ومَن كان وربّما لم يزل يُمسك بالملفّ الأمني في هذه البلاد. فالمسيحيّون في لبنان بعد اتّفاق الطائف كانوا 47 في المئة تقريباً من مجمل الشعب اللبناني وقد ارتكب ما ارتكب هذا النظام منذ العام 1990 حتى باتوا اليوم 36 في المئة، والأفدح من ذلك إذا ما عدنا إلى تاريخ دخول قوى النظام السوريّ إلى لبنان في العام 1976 حيث يطرح السؤال نفسه حول ما فعلته هذه القوى وأيّ ثقافة نشرتها وأيّ مفهوم للديموقراطية رسّخته في لبنان؟

فيما مارس هذا النظام ولم يزل فعليّاً أسوأ أشكال الاستعباد ليس لشعبه فقط بل إنّ يده امتدّت إلى الشعب الفلسطيني واللبناني والعراقي كونه كان ولم يزل ربّما ممسكاً بالورقة الأمنية في هذه الدول، وقد أذلّ هذه الشعوب كما لم تفعل بهم إسرائيل على مرّ الصراع العربي الإسرائيلي.

الأجدى ألّا نغوص مجدّداً في هذا السؤال لأنّ في ذلك إهانة كبرى لتاريخنا ولكلّ القيم الإنسانية وللمفهوم العلمي للديموقراطية الذي تبلور على مرّ العصور والتجارب السياسية للأنظمة حتى استقرّ على مفاهيم لا يعرف النظام السوري منها إلّا ما صيغ ورقيّاً في الدستور القديم والدستور المعدّل مؤخّراً.

أمّا التعبير المستخدم بأنّ هذا النظام هو "الأقرب إلى الديموقراطية" فليس علينا إلّا العودة إلى ما روته على شاشات التلفزة المعارِضة المسيحيّة السوريّة هزيل بشّار الكوكي عن التعذيب الذي تعرّضت له في السجون السوريّة شأنها شأن أيّ معارض تجرّأ على الوقوف بوجه هذا النظام.

وفي ظلّ الاعتداءات التي يرتكبها نظام بشّار الأسد ضدّ شعبه وضدّ القرى اللبنانية المتاخمة للحدود السوريّة، فليس علينا إلّا الاعتقاد أنّ هذه الاعتداءات مجرّد مناورات لاستعادة الجولان، وهي بمجملها طبعاً من نمط النظام الأقرب إلى الديمقراطية.

ويأتي الواقع العسكريّ في سوريا ليؤكّد هذا الأمر بما لا يقبل الشكّ، وإلّا فإنّنا نسأل هل عندما قتل بشّار الأسد الأطفال كان قد قصد بهم قولاً: "دعوا الأطفال يأتون إليّ لأنّ لهم ملكوت السماء"؟ أم أنّ غريزة الحقد لديه لم ترتوِ بعد من سفك الدماء الذكيّة؟، وهو الذي لم يرضَ بالشعب السوري شهيداً على جبهة الجولان، بل مقتولاً وجريحاً في منازله وشوارع مدنه وساحاته، لا يمكنه أن يضمّد جراحه مشرّداً تائهاً أو هارباً خائفاً من آلة القتل التي لا تتوقّف ومهجّراً من أرضه إلى مزلّة النزوح آملاً في الحصول على بعض الإعانات التي تشحّ في موازنات بعض الأنظمة الخائفة.

وأمام هذا كلّه، فهل من جدوى بعد للسؤال عن مدى قرب نظام القتل في سوريا من الديموقراطية؟ كان الأصحّ وصف النظام بأنّه النظام الأكثر عداوةً للإنسانية في مواجهة شعب يعيش ملحمة دمويّة قلَّ نظيرها في التاريخ الحديث، كلّ ذلك لأنّ الحاكم أراد أن يسكر بليلة حكم.

ويوم تنتصر هذه الثورة نتمنّى عودة الإبن الضالّ سريعاً مستفيقاً من سكرة الاستبسال في الدفاع عن محاسن هذا النظام الفاضل، ولو كنت واحداً منهم، لا سمحَ الله، ليس عليَّ إلّا أن أقوم وأمضي إلى أبي قائلاً له: "خطئت إلى السماء وإليك ولست أهلاً أن أدعى لك ابناً!!!

* أستاذ في القانون الدولي

Exit mobile version