
كنبت صحيفة "الراي" الكويتية: بدت بيروت، بعد ايام من محاولة اغتيال رئيس حزب «القوات اللبنانية» د.سمير جعجع الاربعاء الماضي، وكأنها خرجت من دائرة تفحص الجانب «اللوجستي» من جريمة لم يحالفها الحظ، لتدخل في تقصّي أبعاد التحول الخطر الذي كشف عن العودة المشؤومة لمسلسل الاغتيال السياسي في لحظة اقليمية وداخلية بالغة المصيرية.
فـ«المصادفة» التي انقذت جعجع من اغتيال محتم عبر عملية بالغة الاحتراف هدفت الى شطبه من المعادلة، كتبت لـ«الحكيم» عمراً جديداً، لكنها انطوت على جرس إنذار يؤشر الى انهيار الضمانات الاقليمية والدولية التي كانت «علّقت» عمليات الاغتيال، والى انكشاف الواقع اللبناني على سيناريوات خطرة ومأسوية.
ورغم ان رئيس الحكومة السابق، زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري أدرك حجم الخطر الذي يحوطه بعد الإطاحة بحكومته بانقلاب على «اتفاق الدوحة»، فغادر الى الخارج قبل نحو عام، فإن حالاً من «الهلع» سادت اوساط «14 آذار» عقب محاولة اغتيال جعجع عكست إدراكاً «متأخراً» لأخطار مرحلة الانكشاف الامني بعد السياسي التي تجعل لبنان بلا «غطاء».
هذا الواقع المستجد الذي من شأنه وضع أقطاب «14 آذار» وقيادات اخرى في البلاد في ما يشبه «الإقامة الجبرية» تحت طائلة الاغتيال، ينقل لبنان من «الحرب الباردة» في «الوقت الضائع» السوري الى حروب من نوع آخر بدت «طلائعها» في هجرة الحريري القسرية وفي محاولة اغتيال جعجع، وفي النصائح من كل حدب وصوب للزعيم الدرزي وليد جنبلاط بضرورة اتخاذ «الحيطة والحذر».
ووسط ملامح ما اعتبرته اوساط «14 آذار» حملة ممنهجة من جانب فريق «8 آذار» وإعلامه لـ«تسخيف» ما تعرّض له جعجع وإسقاط «محاولة الاغتيال» عنه، لفتت المتابعة «الشخصية» التي يتولاها رئيس الجمهورية ميشال سليمان لهذا الملف داعياً الى «وجوب تكثيف التحريات والاستقصاءات لكشف مطلقي النار على رئيس حزب «القوات اللبنانية» والقبض عليهم وإحالتهم على القضاء المختص».
وجاء موقف سليمان بعد اطلاعه من المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي على ما توافر للأجهزة الامنية من معطيات حول ما جرى في معراب، وكذلك عقب تبلُّغه من وزير العدل شكيب قرطباوي ومدعي عام التمييز سعيد ميرزا والقاضيين كلود كرم وحاتم ماضي مجريات التحقيق في القضية مؤكداً لهم «ضرورة متابعة هذا الموضوع لمنع حصول أي إخلال بالأمن أو فتنة».
وفي موازاة «الحسم» الرسمي لمحاولة الاغتيال، تواصلت التحقيقات في الملف ونفّذ نحو 200 عنصر من قوى الامن الداخلي توزعوا على اربع مجموعات عملية مسح واسعة للمنطقة المحيطة بمقرّ جعجع في معراب وصولاً الى النقطة التي تمركز فيها القناصان على بُعد نحو كيلومتر من المقر والتي كان عثر فيها على أعقاب سجائر وقطعة صغيرة من قميص كانت عالقة على غصن شجرة تمّ ربْطه لكشف الرؤية، وهي أدلة يتم إخضاعها لفحوص الحمض النووي «دي أن آي».
في هذه الأثناء، وضع جعجع، امام زواره الذين لا يزالون يتقاطرون الى معراب لتهنئته بالنجاة، محاولة اغتياله في اطار «قرار اتُخذ بتغيير موازين القوى بالقوة»، ورأى ان هذا التطور البالغ الخطورة «يعني ان مفاعيل اتفاق الدوحة انتهت في ما يتعلق بوقف الاغتيالات السياسية في لبنان، كما انتهت مفاعيل الاتفاق مع النظام السوري في هذا الشأن، والذي أعلنه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي».
واذ لم يستبعد استخدام صواريخ في عمليات اغتيال في المستقبل، لفت الى ان محاولة الاغتيال التي تعرض لها، باستخدام بندقيتي قنص متطورتين ومن العيار الثقيل، واجهزة مراقبة ومناظير الكترونية «تحمل توقيعا محترفاً جدا».
وروى ما حصل الاربعاء الماضي قائلاً: «للوهلة الاولى لم يخطر ببالي انها محاولة اغتيال. اعتقدتُ ان رصاصتين انطلقتا خطأ من بندقية لأحد الحراس. بعد جزء من الثانية ادركت ماذا جرى. كنت انبطحت ارضا تلقائياً. وزحفت، لم ارفع رأسي وأقف الا بعدما وصلت الى مكان آمن لا يطل على اي افق، لو تعرض احد غيري لاطلاق نار بهذا الشكل لربما كان رد فعله ان ينحني ويركض، على الفور اتصلت بشباب الحماية وقلت لكل منهم ماذا يجب ان يفعل».
وكشف رئيس «القوات» ان آخر مرة مشى في المكان الذي تعرض فيه للرصاص كان قبل سنة، وان مجال الرؤية الذي استغله القناصان كان اربعة امتار فقط، علما انه يمشي بسرعة، كاشفاً ان المحققين «عثروا على شجرة محفور فيها ثقبان لفوهتي البندقيتين وثقب لمنظار الكتروني، كذلك لاحظوا وجود ممرّات حديثة في الحرج الحديث وأغصان مكسورة بفعل أيد بشرية، وفي تقديري، المراقبة استمرت شهورا طويلة».
وفيما اوضح ان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري الذي اتصل به مرتين متتاليتين بعد محاولة الاغتيال «لقلقه علي، نصحني بألا أتحرك»، لم يفته ابداء قلق على رئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط لأن «الحديث عنه في دوائر النظام السوري، على ما يتناهى الينا، ينمّ عن نية سوء».
وعلى وقع هذه المعطيات، بقي ملف «داتا الاتصالات» الخلوية يتفاعل، على وقع حملة تشنّها «14 آذار» على وزير الاتصالات نقولا صحناوي متهمة اياه بحجب «الداتا» عن الاجهزة الامنية منذ اشهر محوّلاً اياها «عمياء»، في موازاة نفي صحناوي اي علاقة له برفض طلبات الاجهزة الامنية، لافتا إلى ان الامر هو من اختصاص الهيئة القضائية المؤلفة من القضاة حاتم ماضي وشكري صادر وعوني رمضان، ومؤكداً ان الوزارة تعطي كل الطلبات التي تصل من الاجهزة الامنية باستثناء «الداتا» كاملة (اي التي تشمل كل المشتركين البالغ عددهم اكثر من ثلاثة ملايين)، لان هذا الامر من مهمة الهيئة القضائية.
وفيما كُشف ان طلبا قدم الى وزير الاتصالات منذ حصول محاولة اغتيال جعجع الاربعاء الماضي لتسليم «الداتا» من دون ان يلبى الطلب حتى الآن، نُقل عن مصادر امنية ان ستة طلبات مماثلة قدمت في الاشهر الاخيرة الى الوزارة ولم تلب ايضا، ومنها ما له علاقة بالشبكة الاصولية التي اكتشفت في الجيش وحوادث خطف اطفال في البقاع واستهداف المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي ورئيس فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي العميد وسام الحسن.
ونُقل عن مصادر في الهيئة القضائية انها تسمح بالحصول على «الداتا» في محافظة معينة عند حصول اي حوادث امنية منها، في حين اكدت مصادر امنية ان وحده الحصول على «الداتا» كاملة هو الذي يفعّل سياسة الامن الوقائي.