بدت لوحة المشهد السياسي والامني في لبنان مشوبة بكثير من الغموض في ضوء انفتاح السجالات على غاربها في ملف محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع بموازاة تصاعد السجالات المماثلة في شأن قانون الانتخاب، مما يعني ان لبنان دخل مرحلة شديدة الحساسية قد تكون طوت المرحلة الانتقالية التي طبعت سنة من عمر الحكومة الحالية.
واذ يستبعد ان يشهد الاسبوع الطالع تطورات بارزة في ضوء عدم انعقاد مجلس الوزراء الى ما بعد عطلة الفصح لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الشرقي، وكذلك مغادرة رئيس الجمهورية ميشال سليمان البلاد الى اوستراليا في 14 من الجاري في زيارة تستمر اسبوعاً، فان مضاعفات محاولة اغتيال جعجع تبقى في الواجهة كعامل طارىء يحرّك مجدداً الهواجس الأمنية ومعها تفاعلات المواقف السياسية التي ابرزت فرزاً حاداً جديداً سيرخي بثقله على مجمل المشهد الداخلي.
وتعتقد أوساط مواكبة لهذا المناخ المستجد، ان منسوب الفرز والاستقطاب السياسي والاعلامي مرشّح للتصاعد بقوة في المرحلة المقبلة في ظل ثلاثة عوامل على الاقل برزت في اليومين الاخيرين وتتمثل في النقاط الاتية:
اولاً: خطورة ما ذهب اليه جعجع في اعلانه صراحة ان مفاعيل اتفاق الدوحة من حيث وقف الاغتيالات قد انتهت مع محاولة اغتياله، وهو امر تشاطره فيه جهات سياسية وديبلوماسية أظهرت قلقاً كبيراً حيال هذا التطور من زاوية التلميح الى وجود ارتباط موضوعي بين اندفاع النظام السوري في هجماته العسكرية في الداخل السوري وتحريك محاولات زعزعة الاستقرار الامني في لبنان. ومع ان اي ملامح لم تظهر بعد للتحقيقات الجارية في محاولة اغتيال جعجع، فان هذه الجهات تُبرز مخاوفها من تزامن المحاولة مع التطورات الدامية في سوريا بما يقيم شبهة الارتباط على الاقل بين محاولات الانكشاف الامني في لبنان والافق الشديد الغموض للازمة السورية بما يُخشى معه فعلا من إزالة المفاعيل الامنية لاتفاق الدوحة بعد اسقاط معظم مفاعيله السياسية مع الانقلاب على الغالبية المنتخبة لدى تشكيل الحكومة الحالية قبل عام.
ثانياً: المغزى السلبي للتسخيف الاعلامي والسياسي الذي اتبعته قوى "8 آذار" حيال محاولة الاغتيال، والذي اتخذ طابعاً علنياً مثبتاً في تصريح لرئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد انتقد فيه ما وصفه بتكبير الامور مما دفع بالنائب ستريدا جعجع الى الردّ عليه، وقد لعب هذا العامل دوراً في اذكاء المناخ السياسي ينتظر ان يتواصل في الايام المقبلة وخصوصاً انه يترافق مع تطور خطير يتعلق بحجب "داتا" الاتصالات عن الاجهزة الامنية.
ورأت الاوساط المواكبة ان هذا المناخ ينذر بعودة اجواء شبيهة تماما بتلك التي سادت مرحلة التشكيك في الاغتيالات السابقة والتي ادت الى رفع سخونة التوترات السياسية الى ذروتها، تماماً كما جرى التشكيك من جانب قوى "8 آذار" بالدوافع الامنية التي املت على الرئيس سعد الحريري الاقامة خارج لبنان منذ سنة تماما، في حين ان محاولة الاغتيال التي تعرّض لها جعجع والتي أثبتتها الاجهزة الرسمية تكشف خطورة مضي فريق سياسي عريض يُمسك اليوم بالحكومة والسلطة في الاستهانة بمسؤوليته في حماية البلاد ويمارس سياسة كيدية لعجزه عن التصرف كسلطة مسؤولة بإزاء أخطار تهدد خصومه السياسيين.
وتعتقد الاوساط نفسها ان هذا الفريق يعاود تكرار تجربة الفريق الامني والسياسي الذي سيطر على الحكم ابان عهد الرئيس اميل لحود تماماً مما يعرضه ويعرض البلاد لمضاعفات بالغة الحدة.
ثالثاً: يترتب على هذا المناخ بطبيعة الحال انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على ملف قانون الانتخاب ينتظر ان تبدأ بالتصاعد بعد جلسة المناقشة العامة للحكومة التي سيعقدها مجلس النواب الاسبوع المقبل. وتعتقد الاوساط ان الموقف الذي اتخذته المراجع الرسمية الكبيرة ولا سيما رئيسي الجمهورية ميشال سليمان والحكومة نجيب ميقاتي والجيش وقوى الامن من التعامل بجدّية تامة مع محاولة اغتيال جعجع وفّرت على الاقل صدقية للحكم ورئاسة الحكومة في عدم الانزلاق الى خطأ كان يمكن ان تدفع ثمنه الحكومة فوراً. ولكن مع ذلك، فان المضاعفات السياسية لتصرف فريق "8 آذار" ستمعن في اثارة الانقسامات على مختلف المستويات وفي مقدم ذلك الانعكاسات التي سترتدّ على الخلافات العميقة بشأن قانون الانتخاب، وهذا يشير في مجمله الى ان البلاد تسير بسرعة نحو مرحلة سجالية حارة بامتياز قد لا يبقى طرح الملف الحكومي في منأى عنها في حال تسرُّع الحكومة ووقوعها تحت ضغط بعض القوى لاقرار قانون انتخاب لا يحظى بأدنى معايير التوافق.
وفي اي حال، اتخذ التصريح الذي ادلى به الرئيس سليمان امس في بكركي قبيل مشاركته في قداس الفصح وعقب خلوة عقدها مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي بُعداً مهما لجهة تشديد سليمان على جدية التحقيقات الجارية في محاولة اغتيال جعجع، وكذلك تشديده على رفض اي زعزعة للامن والتمسك باتفاق الطائف ومنع اي محاولات لهز الاستقرار، وبدا هذا الكلام بمثابة رسالة واضحة الى الجميع في الداخل والخارج بان الدولة تتعامل بمنتهى الجدية مع المناخ الناشىء عن محاولة الاغتيال رغم محاولات التعمية عليها من خلال "غبار" الكتروني عبر صفحات التواصل الاجتماعي.