كتبت كريستينا شطح في صحيفة "الجمهورية":
عاد قانون الانتخاب إلى واجهة الجدل، من غير أن يبدو الخوض فيه مستعجلاً قبل نهاية هذا الشهر، وهي مدّة كافية كي يستعجل الأفرقاء المسيحيّون تبادل المناورات حيال الصيغة المحتملة لتقسيم الدوائر الانتخابية، مع رفضهم المسبق للقانون النافذ منذ انتخابات 2009: قانون اتّفاق الدوحة.
وفي هذا الإطار تتوقّع مصادر سياسية إجراء الانتخابات النيابية المقبلة على أساس القانون الحالي، أي قانون 1960، في حال حصولها في موعدها وفي حال نجاحها أيضاً بتجاوز المخاوف الناجمة عن أحداث المنطقة وتحديداً الوضع المتأزّم في سوريا.
المصادر علّلت اعتماد قانون الستّين بالأسباب التالية:
– عجز القوى السياسية المحلّية عن وضع قانون جديد أكثر إنصافاً وعدالةً في التمثيل الشعبي وفي التوازن الوطني، ما دفع الجميع الى التسليم بالقانون الحالي كأمر واقع يجري حاليّاً التداول به على أنّه الأفضل بحجّة أنّ التوافق الحاصل على هذا القانون المهترئ أفضل من توافق غير مضمون في ظلّ الصراع السياسي وعدم التوافق على قانون أفضل.
– عدم قدرة الزعماء المسيحيّين على تصحيح قانون الانتخابات الذي من خلاله تصبح المعادلة البرلمانية السياسية أكثر عدلاً وتوازناً في ظلّ الغبن والتهميش الذي لحق بالمسيحيّين والذي عمد الى ضرب مصلحتهم على فترة عقدين من الزمن، ما أدّى الى حصول اختلال طائفيّ فاضح عجز المسيحيّون حتى الآن عن تصحيحه، ما جعل النوّاب المسيحيّين مستتبَعين لقيادات سياسية طائفية من خلالها يتمكّنون من الوصول الى الندوة البرلمانية، ونتيجة هذا الواقع يعمد السياسيّون المسيحيّون الى حمل "بارودة" للدفاع عن الشيعة والسنّة، وبالتالي أصبحنا أمام معادلة سياسية جديدة "مسيحيّين سنّة" ومسيحيّين شيعة" عوضاً عن حمل لواء المسيحيّين وخلافاتهم وحقوقهم الوطنية والدستورية.
– فشل تحرّك بكركي لدى الزعماء المسيحيّين من خلال لجنة ممثليهم التي لم تنجح حتى الآن في وضع مسوّدة انتخاب يحظى بتأييدهم، وتقول المصادر في هذا السياق إنّ التحرّك منذ بدايته كان الهدف منه تأكيد عدم حماستها لقانون 2008 (إتّفاق الدوحة)، وكانت قد قبلت به في ذلك الوقت في إطار الصفقة السياسية الكاملة ليس إلّا.
ورأت المصادر السياسية عينها أنّ المطلوب اليوم من المسيحيّين العمل على إصدار قانون جديد للانتخابات يتمكّن من خلاله المسيحيّون من الوصول الى البرلمان بأصوات مسيحيّة، الأمر الذي يحقّق المناصفة الطائفية التي تحدّث عنها الطائف ونادى بها، مؤكّدةً أنّه "لو كان هناك من نيّة لدى المسيحيّين للخروج من التبعية السياسية –المذهبية لحصَل توافق على مشروع اللقاء الأرثوذكسي الذي نسف بسرعة وغاب عن طاولة البحث، هذا المشروع الذي يعطي كلّ طائفة حقّ وصلاحية انتخاب نوّابها، وهو المشروع الأنسب والأفضل للحصول على تمثيل مسيحيّ صحيح، فضلاً عن تأمينه المناصفة الفعلية بين المسيحيّين والمسلمين، ويتيح للمسيحيّين ان ينتخبوا نوّابهم من دون "منّة" من أحد.
وأكّدت المصادر عينها أنّ مشروع "اللقاء الأورثوذكسي لا يدفع بالمسيحيّين الى الانعزال بل إنّ المسيحيّين عندما يطالبون بتصحيح التوازن والتمثيل إنّما يطالبون بحقوقهم المشروعة، وإلّا لماذا لا تسمّى مطالبة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي نادى بمصالح طائفته، انعزالاً؟ ولماذا إذا حصل تقصير أو إجحاف بحقّ الطائفة الشيعيّة تقوم القيامة، فهذه ليست بطائفيّة؟ لماذا إذا تمسّك تيّار المستقبل بقانون يعطيه كتلة نيابيّة تريحه يكون له ما يريد ولا ينعت بالتعصّب؟.
ومن هنا على المسيحيّين أوّلاً أن يفكّوا قيودهم من عقدة "الأقلية" لأنّ دورهم في لبنان لم يكن يوماً عددياً إنّما نوعيّاً، ما يرتّب عليهم العمل بجدّية على إصدار قانون جديد يؤمّن مصلحة المسيحيّين بعد زمن الوصاية السوريّة، بحيث إنّ تفاوت العدالة في التمثيل في توزيع المقاعد في قانون 1960 يحمل ثغرة، الدائرة الكبرى من ثمانية مقاعد، والدائرة الصغرى من مقعد واحد (صيدا).
في المقابل، فإنّ التفاوت غير المبرّر والفروق الكبيرة بين الاستثناءات التي لحظها قانون 1960 مثيرة للجدل، لقضاءي بعلبك والهرمل، وهما دائرة انتخابية واحدة، سبعة مقاعد، ولقضاءي مرجعيون وحاصبيا، وهما أيضاً دائرة انتخابية واحدة، أربعة مقاعد، ولقضاءي البقاع الغربي وراشيا، وهما دائرة انتخابية واحدة، ثلاثة مقاعد.
في المقابل أيضاً لكلّ من دائرتي قضاءي زحلة والمتن خمسة مقاعد، بالتأكيد تندرج هذه الأرقام في عدد أعضاء مجلس النوّاب الذي نصّ عليه قانون 1960، وهو 99 نائباً، وفي ظلّ العدد الحالي للنوّاب، وهو 128 نائباً، تبدو المشكلة نفسها تقريباً: بين الدائرة الكبرى (17 مقعداً) لأقضية طرابلس والمنية وزغرتا والبترون والكورة، والدائرة الصغرى (ستّة مقاعد) في دوائر بيروت الأولى والثانية وقضاءي البقاع الغربي وراشيا.