كتب صبحي منذر ياغي في صحيفة "الجمهورية":
ضحك خليل، عندما شرح له محمود (حامل الجنسيّة الأميركيّة) خلال سهرة شتائية باردة قرب الموقد، الشروط الصعبة في الولايات المتّحدة الأميركية، ليحصل المواطن فيها على «دفتر سوق»، لأنّ المزوّر «م .ع» من أبناء قرية خليل، تمكّن من تزوير كمّيات من دفاتر السوق الأميركيّة بطريقة احترافية، إلى جانب تزوير العملات والجوازات والوثائق.
النقود المزيّفة هي عملة ينتجها أشخاص أو مجموعات من دون ترخيص من الجهات الرسمية المختصّة، وتتّصف بالتشابه الكبير مع العملة الأصلية، ما يجعل خداع متلقّيها أمراً ممكناً. وحسب النشرة الإعلامية الصادرة عن الإنتربول "ترقى جريمة تزييف العملة الى زمن اختراع المال، وأصبح من السهل إلى حدّ ما إصدار أموال مزيّفة، بفضل التطوّرات الأخيرة في تقنيات التصوير، والكمبيوتر، والطباعة، إضافة الى تيسّر معدّات ضئيلة الكلفة. ويشكّل التحسّن المتزايد لنوعية العملات المزيّفة، تهديداً خطراً على المنظومات الاقتصادية، والوطنية، والمؤسّسات المالية، والمستهلكين في كلّ أنحاء العالم .غير أنّه بفضل حذر هيئات إنفاذ القانون، وتعاونها على المستوى الدولي، تمّ احتواء أثر تزييف العملة كمشكلة عالمية".
ويرى العديد من علماء الاجتماع، أنّ التردّي المتزايد للأوضاع الاقتصادية المحلّية والعالمية، زاد في انتشار جرائم التزوير ومن عدد العاملين في هذه "المهنة" التي يعتبر "طلال" أنّها تدرّ أرباحاً طائلة على رغم خطورتها وصعوبتها. و"طلال" الذي خرج من السجن عام 2010، بعد قضائه حكماً لمدّة سنة ونصف السنة لتورّطه في تزوير وترويج عملات مزوّرة، يقيم الآن في منزل خاص في إحدى القرى الجرديّة، يحمل هواتف خلويّة عدّة، يتواصل من خلالها مع "الزبائن" و"زملاء المهنة"، وهم من جنسيات مختلفة.
أنا معيل لأسرتي ولوالديّ
وطلال، عاد الى مهنته من دون خجل، لأنّ ظروف العيش القاهرة، كما قال، "تفرض علينا العمل في الممنوعات، فأنا مجاز في الآداب من الجامعة اللبنانية عام 1987، لم أجد عملاً يكفيني لسدّ رمق العيش، تعبت كثيراً، طرقت أبواب النوّاب والزعماء، لم أحصد إلّا الوعود. عملت في التزوير، وتعلّمت هذه المهنة من ابن خالتي وهو تركيّ الجنسية، أنا معيل لأسرتي ولوالديّ ولأبناء شقيقي الذي مات بحادث سير، تاركاً خلفه ستّة أولاد، ليس لهم من معيل! فماذا أفعل وفرص العمل في بلدنا معدومة؟
جنسيّات متعدّدة
يؤكّد "طلال"، أنّ العاملين في التزوير من جنسيّات متعدّدة، وهم على تواصل دائم، وعالم التزوير متنوّع، فهناك من يتخصّص بتزوير العملات على اختلاف أنواعها، والبعض يحترف تزوير الجوازات العربية والأجنبية، وهويّات، ووثائق، وعملات مختلفة… وصولاً إلى أحكام قضائية، وسندات تمليك… إلّا أنّ "طلال" الذي كان يهمّ ليشرح عن الطرق العملية المتّبعة في تزوير العملات، عاد وتراجع بعد إشارة من ابن عمّه الذي كان ينظر إليّ بحذر طيلة الوقت.
وما أدلى به طلال عن تزوير المستندات والأحكام القضائية، أكّده مسؤول أمنيّ تابع هذا الملفّ على مدى سنوات (طلب عدم ذكر اسمه)، فقال: "إنّ هناك مزوّراً فلسطينيّاً مشهوراً في مخيّم عين الحلوة يدعى حسن ج.، ومعروف بلقب "حسن حكيم"، صادرة بحقّه مذكّرات توقيف، يعمل في تزوير العملات والوثائق والشهادات وحتّى بطاقات "الأونروا" التي تعطى للّاجئين الفلسطينيّين، وكانت تقارير أمنية وصلتنا، أشارت الى تزويده أعضاء خلايا إرهابية جوازات مزوّرة ليستخدموها في تنقّلاتهم ومهمّاتهم. وخلال محاكمة الفلسطيني ماهر السعدي في شباط 2009 أمام محكمة الجنايات في بيروت، تبيّن أنّه كان يحمل اثناء توقيفه بطاقة خاصة باللاجئين الفلسطينيّين، بإسم أشرف ياسين، وأفاد السعدي أنّ حسن الحكيم زوّرها في عين الحلوة".
ظاهرة تزوير العملات
الصرّاف (م.ش) اعتبر أنّ الدولار هو الاكثر عرضة للتزوير، وتساهم في تزويره عصابات محلّية ودوليّة، تتولّى الطبع والتزييف والترويج، في دول متعدّدة في مختلف أنحاء العالم، والإقبال على تزوير الدولار يعود إلى قلّة الألوان المستخدمة في طباعته، فهو يتكوّن من اللونين الأبيض والأخضر، ولا تداخل بينهما في أيّ مكان من الورقة المالية، فضلاً عن أنّ الدولار من اكثر العملات المتداولة عالميّاً، ففي لبنان بات كالعملة المحلّية الوطنية.
وفي رأي الخبراء والعاملين في مكتب مكافحة الجريمة الماليّة، أنّ ظهور آلات النسخ المتطوّرة الرقمية ذات التقنية العالية، ساهم في ازدياد ظاهرة تزوير العملات، وعملية التزوير، على دقّتها وحساسيتها، فإنّها في الوقت نفسه تعتبر عمليّة سهلة، تتمّ من خلال تصوير العملة الصحيحة عبر ماسح ضوئي (scanner)، وبواسطة الليزر، أو كاميرا رقميّة عالية الجودة، ليتمّ بعدها إدخال الصورة الى جهاز الكمبيوتر. ويلجأ المزوّرون أحياناً الى استخدام برنامج (فوتوشوب) ونظام معالجة الألوان للوصول الى تزوير ناجح. بعدها يتمّ طبع العملات على ورق من خلال أيّ نوع من آلات الطبع. وتكشف أحدث الإحصائيّات في أميركا أنّ استخدام الكمبيوتر في تقليد العملات، والشيكات السياحية والمستندات المهمّة والسندات والأسهم أصبح الأسلوب السائد حاليّاً في كلّ دول العالم.
إجراءات للحدّ من التزوير
إزدياد عملية تزوير الدولار الأميركي، دفعت وزارة المال الأميركية إلى اتّخاذ بعض الإجراءات الجديدة للحدّ من سهولة عملية طباعة النقد المزيّف عن طريق وضع سلك من البلاستر، مدمج داخل نسيج الورقة على يسار ختم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وقد طبع على السلك باختصار إسم الولايات المتحدة الأميركية باللغة الإنكليزية (U.S.A) مع كتابة قيمة الورقة 50 أو 100 بجانب هذه الحروف، في نسق عموديّ مبتكر، وغير قابل للتصوير بواسطة ماكينات النسخ الملوّنة.
وأشار أحد المزوّرين الى أنّ عصابات التزوير تحاول تهريب الورق الأصلي، الذي يستخدم في طباعة الدولارات، وأفراد هذه العصابة من جنسيّات باكستانية وأفغانية وتركية ويونانية.
ويضمّ مخيّم عين الحلوة مجموعة من المحترفين في تزوير العملات والهويّات والجوازات، ومن بين هؤلاء ابراهيم .ح. المطلوب للسلطات اللبنانية والأميركية بتهمة ترويج العملات المزوّرة من خلال التعاون مع أفراد في عصابات دوليّة.
وأشار تقرير للإنتربول إلى وجود محترفين في التزوير في إحدى القرى البقاعيّة، يملكون أحدث الآلات والمعدّات الإلكترونية، والأجهزة الرقمية التي تعمل وفق الليزر، وتستخدم في تزوير الجوازات والوثائق والشيكات.
تزوير العملات متنوّع، وهو خلال فصل الصيف يتركّز على تزوير العملات الخليجية، كما أشار "محمود" الذي يساهم في ترويج وبيع عملات مزوّرة، لأنّ لبنان يشهد خلال هذه الفترة مصطافين، وزوّاراً خليجيّين، وقلّما ينتبه البعض الى العملات الخليجية المزوّرة، لقلّة استعمالها على عكس الدولار الأميركي. وكشف (محمود)، عن قيام بعض مروّجي العملات الخليجية المزوّرة، بارتداء الزيّ الخليجي لزيادةٍ في التمويه.
أساليب متطوّرة في الترويج
مُروِّجو العملات يبتكرون فنوناً وضروباً في النصب والاحتيال، وتؤكّد مصادر أنّ دوريّة أمنية أوقفت منذ مدّة في صربا، لبنانيّين وشخصاً تركيّ الجنسية، لقيامهم بعمليّات احتيال عن طريق إيهام ضحاياهم (من مواطنين وصيارفة وتجّار وغيرهم…) بأنّ لديهم كمّية كبيرة من الدولارات المطلية بأحد اللونين الأسود أو الأبيض وأنّهم يحتاجون الى المال لشراء الدواء الخاص بتبييضها وإزالة الدهان عنها، وأنّ من يزوّدهم به سيجني أرباحاً كبيرة ويحصل على ضعف المبلغ المدفوع، ويقومون بترسيخ الفكرة في عقل الضحيّة من خلال إجراء مناورة احتيالية يعرضون فيها عملية إزالة الدهان عن الأوراق ويستبدلونها بخفّة بعملة أميركيّة صحيحة، وبعد أن يؤمّن الشخص الضحيّة مبلغا كبيراً لإجراء عملية التبادل، يأخذون المبلغ النقدي السليم تاركين له الأوراق السوداء التي لا قيمة لها. وقد ضبط أفراد الدورية بحوزتهم ما يزيد عن مليون ونصف مليون ورقة سوداء وصادر مطابع ومواد كيماوية تستخدم لإزالة اللون عن الورقة النقدية المزيّفة المستخدمة من الفاعلين.
قلمٌ لكشف التزوير
وأكّد الصرّاف خالد عبدالله، تعرّضه يوميّاً لمحاولات غشّ من خلال دسّ بعض الأوراق النقديّة المزوّرة بين الرزم النقديّة الأصلية، خصوصاً عندما يكون المبلغ كبيراً، لذا نضطرّ إلى تفحّص كلّ قطعة نقدية على حِدى بواسطة آلات كشف التزوير الحديثة، وبواسطة قلم جرى صنعه للكشف عن العملات المزوّرة، لاحتوائه مادّة تعرف بـ"الإيودين"، وهذه المادّة تتفاعل مع النشويات الموجودة في الورق المصنوع من الاخشاب الذي يستخدمه المزوّرون عادة لطباعة العملة، لذا فإنّ هذه المادة الموجودة في القلم، تظهر بقعة سوداء على القطعة النقدية المزوّرة، وهذه البقعة لن تظهر حتماً في حال كانت العملة أصلية ومصنوعة من ورق خاص مكوّن من الألياف من خليط القطن والكتّان الذي يصقل بالكحول والجيلاتين ويضاف إلى عجينة الورق مادّة بوليمبرية، ويتميّز هذا الورق بمقاومته للثني والشدّ، وبملمس خاص يختلف عن غيره من الورق".
وسائل بدائية
ومن الوسائل المتّبعة في كشف العملات المزوّرة، قال ربيع (موظف في مصرف): "هناك وسائل بدائية يستخدمها الجميع في تفحّص العملات الورقية وهي ليست ناجحة دوماً مثل فحص القطعة النقديّة الورقية تحت ضوء الشمس أو مصباح كهربائي لتبيان صورة الشعار (العلامة المائية) ورؤية خيط الأمان الموجود داخل الورقة النقدية، وهما علامتان تدلّان على صحّة العملة.
وإذا كانت هناك شكوك في وجود ما يشبه هاتين العلامتين، يمكن الكشف عن العلامة المائية بواسطة مذيب عضوي مثل "الكلوروفورم" أو بواسطة كوب من الماء توضع فيه الورقة النقدية لدقائق، فإذا كانت مزوّرة يحدث تغيير في لونها وشكلها لأنّ الورقة الاصلية لا تتأثر بتفاعلها مع المياه، وتحافظ على شكلها ولونها.
إلّا أنّ المؤسّسات الكبرى والأجهزة المختصّة تفحص كيميائيّاً مكوّنات الورق والألوان والحبر، وتستخدم آلات متطوّرة رقميّة تنذر صوتياً، لدى اكتشافها التزوير، إضافة الى أشعّة سينية وغيرها، وميكروسكوب يكبّر حتى 400 مرة.
التزوير في القانون اللبناني
نصّ قانون العقوبات اللبناني بالسجن والأشغال الشاقّة مدّة لا تقلّ عن خمس سنوات، وبغرامة ماليّة تبلغ خمسماية ألف ليرة على الأقلّ، لكلّ من يقدم على تقليد عملة ذهبية أو فضّية أو أوراق نقدية مصرفيّة. ويؤكّد المحامي عبد الكريم ياغي لـ"الجمهورية" في هذا الصدد، أنّه جاء في المادة 440، المعدّلة وفقاً للقانون 239 تاريخ 27/5/1993 "من قلّد عملة ذهبية أو فضّية متداولة شرعاً أو عرفاً في لبنان أو في دولة أخرى بقصد ترويجها أو اشترك وهو على بينة من الأمر بإصدار العملة المقلّدة أو بترويجها أو بإدخالها إلى البلاد اللبنانية أو بلاد دولة أجنبية عوقب بالأشغال الشاقّة مدّة لا تنقص عن خمس سنوات وبغرامة تبلغ الخمسمائة ألف ليرة على الأقلّ". أمّا المادّة 443 المعدّلة وفقاً للمرسوم الاشتراعي 112 تاريخ 16/9/1983 فتنصّ على أنّ "من قلّد أوراق النقد أو أوراق النقد المصرفية اللبنانية أو الأجنبية الصادرة بإذن الدولة بقصد ترويجها أو اشترك بإصدارها أو بترويجها عوقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 440".