سواء صدق البعض أو لم يصدق، في ظل وفرة التشكيك المتمادي وقلة الثقة ما بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني، فإن الحدث في مكان آخر، بعيد من صفحات "الفايسبوك"، حيث انتشرت صور الزهور، وجعلها المشكّكون بدل الأرزة التي تتوسط الدائرة الحمراء في شعار حزب "القوات اللبنانية". الحدث يتخطى معراب كموقع، اذ ان فيه اشارة الى انتهاء مفاعيل اتفاق الدوحة ما بين السعودية وقطر وسوريا، وبرعاية الولايات المتحدة وفرنسا، لانتخاب رئيس لبناني وتأليف حكومة وحدة وطنية، والأهم وقف الاغتيال، في اشارة واضحة الى ان المشاركين في اجتماع قطر يعرفون جيداً هوية القاتل، واتفقوا معه على وقف آلة العنف.
لكن العلاقة الجيدة، المباشرة أو بالواسطة، بين الأطراف تراجعت، بل اضمحلت، وتحولت عداوات، مما فجّر الوضع الداخلي في سوريا، وكذلك علاقات دمشق بالعالم. هكذا، وبسهولة، جاءت محاولة اغتيال رئيس حزب "القوات" سمير جعجع لتنذر بموجة جديدة ربما من العنف، تعيدنا الى الأعوام الماضية القريبة.
أما لماذا جعجع من دون غيره من قيادات 14 آذار؟ القيادات الأساسية في هذه القوى هي الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط وجعجع، وفي درجة ثانية مروان حماده وسامي الجميل. ولكل من هؤلاء حيثية معينة ونتائج محددة لاغتياله.
– الرئيس الحريري بعيد جغرافياً، والتعرض له سيفجر فتنة سنية – شيعية، لن تصب حتماً في مصلحة حلفاء سوريا في لبنان، وخصوصاً "حزب الله"، اذ سينجر الى الزواريب وستنتهي أسطورة المقاومة في الأزقة. إضافة الى "الاستفراس" الخليجي الذي سيعتبرها ضربة موجهة له مباشرة.
– النائب جنبلاط هو الأسهل أمنياً نظراً لتنقلاته الكثيرة، لكن حجمه صار معروفاً، ولم يعد يشكل خطراً انقلابياً، كما انه دخل في اتفاق مع "حزب الله" لإدارة الاختلاف، ووفر الاستمرار للحكومة الحالية. واغتيال جنبلاط سيدفع دروز سوريا الى الانقلاب على النظام، مما يزيد عزلة هذا الأخير.
– يبقى جعجع، الذي لم ينفعه عقله الأمني واجراءاته المشددة، واغتياله يحقق "انجازات" عدة دفعة واحدة:
أ- يضعف قوى 14 آذار مجتمعة، اذ انه الطرف الأقوى حالياً في الحضور الميداني العابر الطوائف.
ب- يقفل الباب أمام "حلمه" برئاسة الجمهورية، خصوصاً بعدما استقبلته دول عربية أبرزها السعودية والإمارات وقطر، فتمدد حضوره العربي.
ج- يفسح في المجال أمام تمدد خصومه السياسيين في الساحة المسيحية مجدداً، بعدما تمكن جعجع و"قواته" من غزو الشريحة الشبابية اليافعة في هذا المجتمع.
عندما بدأ جعجع يتوسع، سألت في مقال سابق "هل يعود جعجع الى السجن؟" يبدو لي اليوم ان السجن لم يعد يفيد أولئك، لأن سجنه السابق أعطى "القوات" دفعاً قوياً، لذا كانت محاولة الاغتيال.