من غير المتوقّع صدور أيّ "نعي" رسميّ لخطة الموفد الأممي ـ العربي إلى سوريا كوفي أنان، لأنّ المبادرات والمشاريع الديبلوماسية الدولية لا تموت حتى ولو لم يُطبّق أيّ من بنودها.
أعلن أنان أنّ الحكومة السوريّة لم تلتزم المهلة التي انتهت عمليّاً أمس. وعلى رغم أنّ موعد الغد 12 نيسان هو الذي ينبغي على المعارضة فيه أن توقف إطلاق النار من جهتها، فإنّ انان آثر عدم الإعلان رسميّاً عن موت مبادرته لأنّه يعلم أنّها ستبقى حيّة وستصبح مرجعاً ديبلوماسيّاً يُستند اليه لاحقاً في ملفّ الأزمة السوريّة.
ولكن ماذا بعد فشل خطّة أنان؟
سؤال بدأ يُطرح في غير مكان، خصوصاً في واشنطن، إذ يبدو أنّ الخيارات والبدائل محدودة.
وتعتقد أوساط سياسية في العاصمة الأميركية أنّ فشل خطة انان كان متوقّعاً لأنّ القوى المتورّطة في الأزمة السورية تعلم علم اليقين بالتوازن السياسي والميداني القائم على الأرض، وبالتالي من غير المتوقّع ان تحدث مفاجآت تقلب الاوضاع رأساً على عقب. وتضيف "إنّ مشكلة انان تكمن في موقف واشنطن، لأنّ خطته كانت تقتضي موقفاً مختلفاً من الإدارة الاميركية، لكن نظراً إلى الظروف الانتخابية التي تعيشها، كان لا بدّ من الوصول الى هذه النتيجة". وتقول "إنّ المنطقة كلّها دخلت على ما يبدو في حال من انعدام الوزن. فما يجري اليوم هو ليس أقلّ من إعادة نظر سياسية وجغرافية في خريطتها قد تكون الأكثر جذريّة منذ عقود طويلة، ويعتمد الجميع الحذر في هذه الظروف لكي لا يتبدّد موقعه ويذهب "فرق عملة"، خصوصاً أنّ البحث يجري على هذا المستوى الرفيع.
فنظام الأسد يعلم انّ التوازن السياسي والاقليمي الذي يحميه من السقوط، هو التوازن نفسه الذي يمنعه من الفوز في الوقت نفسه".
وتعتقد الاوساط نفسها "أنّ اجتماع اسطنبول الذي سيبحث في ملف إيران النووي، سينعقد على قاعدة هذا التوازن ايضاً، لكن ما ينبغي الإشارة اليه هو أنّ هذا الملفّ النووي قد لا يكون الموضوع الرئيس للبحث، من الناحية السياسية وليس التقنية، لأنّ الموقفين الاميركي والاسرائيلي حاسمان وحازمان فيه". وتقول "إنّ ما صدر من تصريحات عن أعضاء الوفد الاسرائيلي الذي حضر اللقاء الاخير بين الرئيس باراك اوباما ورئيس الوزراء بنيامين نتانياهو في واشنطن، من أنّ أوباما أبلغ فيه الى نتانياهو أنّ واشنطن ستضرب طهران إذا أصرّت على المضيّ في برنامجها النووي، يعني أنّ البحث جار الآن عن الأثمان السياسية والإقليمية التي يمكن دفعها لطهران مقابل تخلّيها عن طموحاتها النووية.
وتضيف هذه الاوساط أنّ ما يجري في العراق وحَوله مع احتدام المواجهة الداخلية ومن "إعادة نظر" يجريها الأكراد في علاقتهم مع الحكومة العراقية، يكتسب زخمه من إعادة التموضع الجارية في المنطقة عموما. فإذا كان مستقبل النزاع في المنطقة حاسماً في اتّخاذ المنحى الطائفي المبني على الخلاف السني ـ الشيعي، فهذا يعني أنّ أكراد المنطقة سينحازون في نهاية المطاف الى هذه المعادلة. وهذا أمر يشمل مناطق وجودهم أينما كانت.
من هنا ينبغي تفسير، أو محاولة فهم، عمق التردّد التركي في التورّط بالوضع السوري عسكريّاً بلا قرار دوليّ، وبلا غطاء سياسيّ واستراتيجي يحميها في مثل هذه الظروف التاريخية، خصوصاً أنّها ليست قادرة على التأثير في مستقبل الاحداث بمفردها.
وتركيا بهذا المعنى هي كجاراتها الاقليمية الأُخرى مضطرّة الى معرفة اتّجاه الريح لدى الدول الكبرى، لكي تقرّر المنحى الذي ستأخذه في ظلّ حال التموضع الجارية، والتي ستأخذ وقتاً ليس يسيراً بالتأكيد…
وحسب الاوساط السياسية في واشنطن فإنّ "المرجّح الآن هو أنّ سوريا ستشهد مزيداً من المواجهات الدامية بعدما ثبت أنّه لا إمكان لحصول حوار مع نظام الاسد لأنّه ليس مستعدّاً لأيّ نوع من الحلول السياسية لأنّها ببساطة تعني نهايته". وتقول: "عندما وافق الاسد على خطّة انان قبل انعقاد اجتماع "أصدقاء سوريا" في إسطنبول، فإنّه نجح مع حلفائه في إجبار هذا الاجتماع على الخروج بمقرّرات خجولة تحت سقف منخفض، ما منع الحديث الصريح عن تسليح المعارضة السورية، وها هو يراهن على جولة جديدة من المماطلة، على أمل أن يتغيّر المشهد الاقليمي". لكنّ مصدراً ديبلوماسيّا في الامم المتحدة ينصح بالتروّي في إطلاق الأحكام على ما يمكن أن يحصل في الساعات المقبلة، سواء في أروقة المنظمة الدولية، أو على المستوى الإقليمي. ويعتقد أنّ أنان الذي أصرّ على أنّ مهلته لم تنتهِ بعد، على رغم تحميله النظام السوري المسؤولية الرئيسية عن عدم التزام المُهل، لن يقدم على خطوات أو يعلن أيّ موقف ما لم يكن متأكّداً من تقديراته، ففي جعبته وعود جدّية، والمواقف الدوليّة قد تكون مفاجئة…