#adsense

وثيقة الأزهر

حجم الخط

 مساء الأربعاء الماضي قدّمت "العربية" من القاهرة برنامجاً خاصاً عن أسباب انسحاب الأزهر والكنيسة القبطية من لجنة صياغة الدستور، شارك فيه محامي الكنيسة، وشيخ من اقدم مرجعية اسلامية على قيد الوجود.

شرح العالم الازهري اسباب الانسحاب كالآتي: "مهمة الازهر، القائم منذ ألف عام، الدفاع عن حقوق الآخر، الاقباط و"العلمانيين". في حين ان الاكثرية الطاغية من اعضاء اللجنة كانت من لون واحد (الاخوان المسلمين)، كما ان طبقات كثيرة من الناس غيّبت، وساد اعضاء مجلس الشعب ورئيسه، وغابت المرأة. ان الشعب هو مصدر السلطات وفي الدين الاسلامي الايمان لا يتغير، الجماعة والسنة، لكن القضايا الدنيوية تتحول. والمسيحيون كانوا يدفعون الجزية في الماضي لأنهم لا يحاربون، اما اليوم فصاروا يشاركون في كل الحروب. الفقه القديم لم يعد قائما في نواح كثيرة".

تصرفتُ قليلا في النص نتيجة بطء التدوين. ولم يكن يخطر لي في البداية ان اسجل كلام رجل لم اسمع به من قبل. وعندما قال ان مهمة الازهر حماية حقوق الاقليات، كالاقباط والعلمانيين(!!!) كان خيل الي ان النعاس قد غلبني في الاولى ليلا. ولكن ها هو الرجل يقول "ان الرسول، عليه الصلاة والسلام، رفض الاخذ بالغلبة عندما دانت له الامور" وبايعته الاوس والخزرج.

لم يكن هذا كلاما تلفزيونيا. قبله كان شيخ الازهر الدكتور احمد الطيب قد اعلن "وثيقة الازهر حول مستقبل مصر" المؤلفة من 11 مادة اولاها "دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديموقراطية الحديثة(…) حيث لم يعرف الاسلام لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه، ما يُعرف في الثقافات الاخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس". المادة الثانية: "اعتماد النظام الديموقراطي القائم على الانتخاب الحر المباشر". ثالثا: “الالتزام بمنظومة الحريات الاساسية في الفكر والرأي، مع الاحترام الكامل لحقوق الانسان والمرأة والطفل، والتأكيد على مبدأ التعددية واحترام الاديان السماوية". رابعا: الاحترام الكلي لآداب الاختلاف واخلاقيات الحوار ورفض التكفير والتخوين. سادسا: احترام جميع مظاهر العبادة والحرص على حرية التعبير الفني والادبي.

واضاف الدكتور الطيب الى الوثيقة ان "العبرة ليست بالالفاظ ولا بالاصطلاحات ولكن بالمضمون والتشريع الذي يحكم المجتمع".
من يمكن ان تكون له مشكلة مع مثل هذا الرقي والسماح الوطني وإلفة الألف عام؟ مصر! لأن مصر البائسة، المزدحمة بالفقر واليأس، العائشة في مدن المقابر وقرى العشائر وحماية العمدة، قررت ان تجرب الدولة غير المدنية، وان تعود، بعكس منائر الازهر ومصابيحه، الى عصور سابقة. ليس هذا ما يراه الازهر، الذي عرف بين طلابه رجالا مثل احمد عرابي وسعد زغلول وطه حسين.

تعلمنا ان نخاف على كل بلد عربي بمفرده. لكن الخوف على مصر هو خوف على الامة. لأن الأمل في مصر، هو ايضا أمل الأمة. فهذا بلد لا يتحرك وحيدا، في انتصاره، او في هزيمته. لذلك ما يحدث في مصر لا يعني مصر وحدها. اليكم الحكَم في ما بين انتصار "الاخوان المسلمين" وحزب "النور": الازهر الشريف. كم يستحق هذا اللقب اليوم، كما استحقه منذ الف عام.

حرية الاختلاف. احترام الآخر وآداب الحوار. حرية الفنون والرأي. يعلن الازهر هذه الثوابت من أعلى مرجعية دينية، في بلد طعن فيه متشدد نجيب محفوظ، وأقام حزب "النور" الدعوى على الممثل عادل إمام، اشهر ضحاك في مصر منذ غياب العراقي السرياني نجيب الريحاني. ومن مصر ايضا خرج الطبيب أيمن الظواهري الى كهوف تورا بورا ورؤية اسامة بن لادن، تاركا خلفه اهم واقدم مجمع للعلوم الاسلامية.

لا يجوز، ولا يمكن ان يتقدم الآخرون، ويبقى الازهر متراجعا. الاسلام يقول بالشورى، لا بالسوط. ويقول بالكتاب لا بالمدفع. وبالصالحات والنيات الحسنة. وبدل ان يتولى التفسير (ابتغاء الفتنة) كل من خطر له ذلك، يحسن بالمصريين ان يتركوا للازهر ان يبقى هرم العلم، والقاضي في مسألة العقل والنقل.

المأزق ليس بين الاسلام والمسيحية، كما هو في الظاهر. بل المأزق هو بين الاسلام والمسلمين، كما قال العالم الشيخ محمد عبده في عز عصر النهضة، والمأزق اليوم هو ان جهات سياسية كثيرة تحاول اخذ الاسلام الى مربعاتها، ما بين سنة وشيعة، ومذاهب ومراتب. واذا كانت الاحزاب "الاسلامية" في مصر قد فازت بغالبية مجلس الشعب، فإن نحو 30 مليون مصري آخر، لهم آراء ومواقف ومسالك اخرى في الحياة. وقد قال الكاتب السوري هاشم صالح "متى يفهم العرب ان العلمانية ليست الالحاد"، ومن هنا قول العالِم الازهري على "العربية" انها ضمن من يريد الازهر الدفاع عنهم.

لا أدري أين كان "مسيحيو الشرق" عن الازهر في السنوات الاخيرة. فالدعوات الى حوار الاديان لم تتعد في اي مرحلة اللياقات العابرة والقابلة للنسيان. وقد قطع البابا يوحنا بولس الثاني اشواطا في الاندفاع نحو التآلف، بلغت بوابة المسجد الاموي، لكن وصول البابا بينيديكتوس السادس عشر اشاع نوعا من الانقطاع، بسبب تصريحات متعجلة عن الاسلام.

وفي اي حال، إن جزءا من المسؤولية هو مسؤولية "مسيحيي الشرق" الذين انطووا وانزووا، وكأنهم ليسوا اصحاب ارض. وتصرفوا غالبا ليس كأهل ذمة بل كشعب منّة. وحمّلوا عقدة ذنب الحروب الصليبية ولعنتها، مع ان الفريق الاكبر من "المتعاملين" كان من المسلمين. ورفض ابدية اللعنة مسيحيو فلسطين الذين تقدموا النضال القتالي والفكري والسياسي، منذ الثورة الاولى، وقبل جورج حبش وكمال ناصر وادوارد سعيد بعقود.

يتصرف "مسيحيو الشرق" الآن متسربلين بالخوف المتصاعد، لأن الخوف القديم مقيم في اي حال. لقد سبقت المرحلة هجرات كثيرة من العراق وفلسطين (في ظل الاحتلال الاسرائيلي) ولبنان ومصر، بالاضافة الى مذابح الأرمن الكبرى اوائل القرن الماضي.

لم يفتقر المسيحيون فقط الى شجاعة البقاء والتمسك بالجذور، بل خاب أملهم واعتمادهم على كثيرين من مسلمي الحركات التقدمية والمدنية. وانهارت العلاقات البشرية بين الفريقين مع الشرارات الاولى للفتن التي لا تخفى طبيعتها على احد. وقد شهدنا هنا الجزء المريع من ذلك الانهيار المعيب، اذ انصرف كل فريق الى غرائز الكهوف. وما كان اللبنانيون يُتَّهمون به من طائفية ورخاوة في الاخلاق الوطنية، اصبح وباء عربيا اليوم، وفي صور اكثر تخلفا واشد توحشا.

في مفهوم الازهر وشرحه، ان الصراع ليس بين المسيحية والاسلام. فبعدما التقيا في القرآن التقيا عند كنيسة القيامة. ولم تستطع الجماهير والرعاع ان يميزوا بين الصراع السياسي مع الغرب والموقف من المسيحية الشرقية. بين الاستعمار الغربي والمواطن المسيحي المشرقي الذي كان اول من استخدم تعبير "يقظة العرب"، اولا في قصيدة ابرهيم اليازجي (هلموا واستفيقوا ايها العرب) ثم في عنوان كتاب جورج انطونيوس (يقظة العرب) الذي أصبح أحد أهم المراجع العالمية في هذا الباب.

يتوقف الكثير من معالم مستقبل الشرق، على تطورات مصر، لقد اظهر "الاخوان المسلمون" انهم لا يحفظون حتى تعهداتهم الحديثة وعهودهم الجديدة. والأزهر يشكل قوة معنوية كبرى لكنه لا يشكل قوة سياسية فاعلة او فاصلة. وقد بدأ "الاخوان" بعد الثورة بالقول انهم لا يريدون سوى نسبة ضئيلة من الدولة والآن اصبحوا يطلبونها كلها. ويذكّر ذلك بقول الامير نايف بن عبد العزيز قبل سنوات، انه لا يمكن الاطمئنان الى ثباتهم.

يمكن القول ان وضع المسيحيين مسألة فرعية في الشرق مقارنة بالاحتدام المذهبي الحاد بين المسلمين. لكنه قضية وجودية ايضا. فالعروبة تنهار كمصهر اجتماعي وسياسي. واحزابها السياسية تتلاشى، اما ذاتيا، واما بتصاعد المدّ المتشدّد. وبعدما كانت افكار التقسيم سما محظورا صارت خرائط لا يخجل بها احد. ومن الامازيغ في بلدان المغرب الى الاكراد في المشرق، خرجت الى العلن القوميات والعرقيات المتحركة او المستكينة. فالنظام العربي الذي تماسك منذ ما بعد الحرب العالمية الاولى، يتفكك الآن كاشفا عن فشله في حل اي مسألة اثنية في اسرته الكبرى. لم يلق حلا على الطريقة الاميركية، اي الانصهار الكامل، ولا على الطريقة الكندية، اي تشجيع المكونات على الاحتفاظ بتراثها وتقاليدها ضمن احترام القانون العام.

السبب ان النظام العربي لم يعدل ولم ينصف ولم يساو. زادت فيه المحسوبيات والاقطاعيات واهلكته وقاحة الفساد وفجور ادعياء العفة. لم يحرز اي تقدم على اي صعيد، مخَدِّرا ومتخدرا بما تسميه "وثيقة الازهر" الالفاظ والمصطلحات. ولكن اذ انتهى مفعولها قفزت الى السطح، دفعة واحدة، فظاعة الحقائق الكامنة في الصدور. هذا هو قاع الخلقين الذين اعتقدنا، او حلمنا، أنه صهر مكونات الأمة.

عام 1916 وقف عبد الغني العريسي وسعيد عقل معا على منصة الشهداء. وكان جمال باشا يشارك التجار المسيحيين في ارباح القمح في المجاعة الكبرى. السياسة هي عفن النفوس وليس الطائفية. وهي التي تمزق العالم العربي الآن. كان العراق اكثر وحدة ايام البريطانيين. ومصر كانت اكثر شعورا بالمد القومي. وفي يوم كان رئيس وزراء سوريا مسيحي من لبنان ورئيس اركان جيشها درزي، من لبنان ايضا، والآن نتبادل اللاجئين والهاربين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل