قد تكون الاغتيالات في فترة الحرب مبرّرة على قاعدة أنّها من ضمن "عدّة الشغل"، إذ لا يعقل أن يستشهد المواطن العادي والمقاتل على الجبهة ويكون المسؤول السياسي بمنأى عن الاستهداف، والجرائم المحالة إلى المجلس العدلي التي استثنيت من العفو العام الذي منحه القانون رقم 84 تاريخ 26-8-1991 للجرائم المرتكبة قبل تاريخ 28 آذار 1991 كان هدفها ليس بالتأكيد محاكمة الفاعلين والمشاركين و"تثبيت السلم والأمن في البلاد ومواكبة عملية بناء الدولة"، إنّما الاقتصاص من فئة من اللبنانيّين زوراً وتزويراً عبر تركيب الملفّات لدفعها إلى الاستسلام طوعاً أو قسراً، وبالتالي هذا الاستثناء كان بحدّ ذاته "خطأ" مقصوداً وصولاً إلى الغايات المعلومة.
ولا حاجة للتذكير بأنّ العامل الأوحد الذي حال دون تنقية الذاكرة والمصالحة وختم مرحلة الحرب الأهلية بالشمع الأحمر هو الوصاية السوريّة التي ساهمت في تأجيج التناقضات بين اللبنانيّين وإبقاء الحواجز النفسية قائمة من أجل بسط سيطرتها على لبنان والإمساك بمفاصل السلطة اللبنانية.
ولكن ما ينطبق على فترة الحرب الأهلية لا ينسحب على حقبة السلم الأهلي، حيث إنّ كلّ اغتيال أو محاولة اغتيال إبّان هذه الحقبة هو عمل جبان ومُدان وغير أخلاقي وينمّ عن توجّه أصحابه الإلغائي واعتناقهم لثقافة الموت والقتل والشرّ، الأمر الذي يثبت استحالة التعايش معهم وحتمية مواجهتهم للنيل والاقتصاص منهم وضرب مشروعهم وإسقاطه بالضربة القاضية، لأنّه خلاف ذلك يعني القضاء على لبنان واستمراره دولة مفكّكة وساحة مستباحة ووطناً غير قابل للحياة، وكلّ الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي شهدتها البلاد اعتباراً من خريف العام 2004 كانت ترمي إلى القضاء على أيّ تغيير يعيد لبنان دولة طبيعية.
فالمواجهة مع هؤلاء الناس مفتوحة، وهي مواجهة في إطار الحق، والوسيلة الوحيدة للتصدّي لهم تكمن في التمسّك بمزيد من الشيء نفسه، أي في
الإصرار على تحقيق أهداف انتفاضة الاستقلال وعدم التراجع تحت أيّ ظرف كان، لأنّ أيّ تلكّؤ أو تراجع أو خوف يعني إفساح المجال أمام هذه القوى لتوسيع تمدّدها وسيطرتها ونفوذها، فيما المطلوب تقليص حضورها وإنهاء مشروعها في لبنان، ربطاً بالثورات العربية التي كشفت هذا المشروع ووضعت حدّاً له على مستوى العالم العربي.
ومن شروط المواجهة أن تكون في الميدان، لأنّ القضية اللبنانية تتطلّب من يتبنّاها ويعمل في سبيلها ومن أجلها، وبالتالي يفترض تحويل محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت الدكتور سمير جعجع إلى محطة مفصليّة لإعادة قوى 14 آذار تجديد نفسها وفاعليّتها وفق الآتي:
أوّلاً، أن تشكّل هذه المحاولة دافعاً للرئيس سعد الحريري من أجل عودته إلى لبنان، وذلك خلافاً للمقولة القائلة إنّ هذه المحاولة يفترض أن تؤخّر أو تلغي هذه العودة، لأنّ مجرّد عودته ستشكّل تحدّياً عمليّاً لآلة القتل وستصيب هذا المشروع في صميمه، فضلاً عن الديناميّة التي ستولّدها داخل البيئتين السنّية والـ 14 آذارية.
ثانياً، رفع مستوى التعبئة والاستنهاض داخل البيئة الاستقلاليّة، هذه البيئة التي شهدت في الآونة الأخيرة تراخياً غير مقبول إلى درجة أنّ محاولة الاغتيال التي كانت ستضع مصير 14 آذار والشراكة المسيحيّة-الإسلامية على المحكّ لم تحظَ بردّ الفعل المطلوب أو لم تكن على المستوى المطلوب.
ثالثاً، إشعار الجهة الفاعلة بأنّ أيّ عمل من هذا النوع لن يمرّ مرور الكرام وستكون تداعياته كبيرة على هذه الجهة.
رابعاً، إعادة تأطير وتنظيم وتطوير أطُر 14 آذار من الهيئة القيادية التي يفترض تحويل اجتماعاتها إلى دوريّة ومعلنة ولو بعد حين لضرورات أمنية، وضمّ قوى شيعيّة إليها، إلى المجلس الوطني الذي يُفترض أن يكون الحاضنة لكلّ القوى الحزبية والمدنيّة، وما بينهما الأمانة العامّة والكتلة النيابية.
لقد دخل لبنان في مرحلة مفصليّة جديدة، ومن الثابت أنّ محور ما يسمّى الممانعة يريد تعطيل أيّ إمكانية تغيير في بيروت تستتبع تغييراً في دمشق، وهو يتعاطى مع هذه المسألة على قاعدة حياة أو موت، لأنّ التغيير في سوريا بات حتميّا، وبالتالي الخيار الوحيد أمامه محاولة تعطيل هذا التغيير في لبنان، ولذلك سيكرّر محاولته في معراب وغيرها، خصوصاً أنّ قائمة المستهدفين طويلة، ولن يتوانى عن فعل أيّ شيء للحؤول دون تبديل موازين القوى القائمة.
ومن هذا المنطلق، الاحتياط واجب، إنّما الاستنفار السياسي والشعبي بات أكثر من ضروري، ولم تعد تنفع السياسة الانتظارية التي تمّ انتهاجها مع انطلاق الثورة السوريّة، بل ثمّة حاجة قصوى لاسترداد المبادرة في السياسة والشارع… قبل فوات الأوان.
