رفضت الهيئة القضائية المستقلة الموافقة على طلب المديرية العامة لقوى الامن الداخلي تزويدها "داتا" الاتصالات كاملة من تاريخ 2012/1/16 الى 2012/4/10 "لتتمكن من اجراء المقتضى حول المحاولة الخطرة لاغتيال الدكتور سمير جعجع الحاصلة في تاريخ 2012/4/4، معللة رفضها بان ذلك يشكل "مساساً بالحريات الفردية".
وجاء في قرار الهيئة الذي حصلت صحيفة "النهار" على نسخة منه: "حيث ان هذه الهيئة وبقرارات سابقة اعتبرت ان طلبات الداتا الكاملة والشاملة وان كان الهدف منها كشف الشبكات الامنية والارهابية المشبوهة، يمكن ان تشكل مساساً بالحريات الفردية التي كفلها الدستور والقانون رقم 99/140 الذي ناط بهذه الهيئة القضائية المستقلة الحفاظ على هذه الحريات وذلك لان السماح باعطاء الداتا الكاملة يكشف السواد الاعظم من الشعب اللبناني ويجعله عرضة لخرق سرية مخابراته وخصوصيتها حتى لو كانت في حدها الادنى".
لكن مصادر امنية بارزة ردت عبر "النهار" على قرار الهيئة المستقلة فصححت اولاً ما ورد في الفقرة الاولى من القرار لجهة اشارة الهيئة الى ان مهمتها "التثبت من قانونية اجراءات الاعتراض الاداري على المخابرات الهاتفية"، فنفت ان يكون عمل الاجهزة الامنية "اعتراضاً ادارياً".
اما في شأن رفض طلبات "الداتا" الكاملة لكونها تشكل مساساً بالحريات الفردية، فتساءلت المصادر الامنية "ايهما أهم، امن الناس أم خصوصياتهم؟". وقالت ان هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل اكدت عام 2009، ان "الداتا" لجهة حركة الاتصالات لا علاقة لها بالتنصت او الاعتراض الاداري وتالياً لا تخضع للقانون 140.
وتساءلت: "لماذا هذه اليقظة على خصوصيات المخابرات فيما كان وزير الاتصالات نقولا صحناوي يزود الاجهزة الامنية داتا الاتصالات الكاملة حتى تاريخ 2012/1/15 واين كانت هذه الخصوصيات قبل هذا التاريخ؟". واعتبرت "ان الايحاء بداتا جزئية معناه الطلب من الارهابي ان يكون في جبل لبنان مثلا لمعرفة حركة اتصالاته ولا يكون في بيروت".
وإذ لفتت الى ان "الداتا" الكاملة مكنت لبنان من مساعدة التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وكشف الشبكات الارهابية والمتعاملة مع اسرائيل وحوادث السرقة وخطف الاستونيين وسواهم، قالت ان "المطلوب الآن هو تعطيل الوسيلة المهمة لهذه الاجهزة في عملها مما يحمل الرافضين المسؤولية الكاملة عن ذلك". وكررت ان ستة طلبات قدمت للحصول على "الداتا" منذ 2012/1/15 ورفضت، مضيفة "ان وزير الاتصالات عندما رفض في ذلك الموعد طلب المديرية العامة لقوى الامن الداخلي لم يكن مغطى من مجلس الوزراء بل انتظر حتى 2012/2/1 لكي يحصل على قرار التغطية منه".
وفي سياق متصل، افادت معلومات امس ان وزير الداخلية مروان شربل سيرفع تقريراً الى مجلس الوزراء يضمنه طلب تزويد غرفة التحكم الاعتراضي المعدات اللازمة لتتمكن من التحكم بالتخابر الخليوي والارضي ضمن نطاق مهماتها، باعتبار ان اجراء كهذا يمكن هذه الغرفة من الحصول على "داتا" الاتصالات من دون العودة الى وزارة الاتصالات.
وكتبت صحيفة "المستقبل":
أضفى قرار عدم موافقة الهيئة القضائية المستقلّة، المختصة بقانونية إجراءات الإعتراض الإداري على المخابرات الهاتفية، على طلب المديرية العامة الأمن الداخلي تزويدها بـ"داتا" الإتصالات كاملة للتحقيق بمحاولة إغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، مزيداً من الإلتباس حول التعاطي الرسمي مع هذه القضية، ورسم الكثير من علامات الإستفهام عمّا إذا كانت السلطة المتمثلة بالحكومة جادة في التحقيق في هذه الجريمة، أو لديها النية لكشف المتورطين فيها ومن يقف وراءهم. وقت لفت مصدر قانوني في قوى "14 آذار" إنتباه الهيئة القضائية، الى أن "الأجهزة الأمنية في أعرق الديموقراطيات في العالم تأخذ الداتا شاملة عند وقوع اي جريمة من دون المرور بأحد". وسأل "هل هناك حرص على الحريات أهم من معرفة من قتل ومن سيقتل؟". مؤكداً أن "الهيئة القضائية لا تملك الخبرة عن الداتا، وليست لديها صفة للتعاطي معها، وبالتالي فإن فاقد الشيء لا يعطيه".
فقد أصدرت الهيئة القضائية المستقلّة المؤلفة من الرئيس الأول لمحكمة التمييز القاضي حاتم ماضي (رئيساً) ورئيس مجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر ورئيس ديوان المحاسبة القاضي عوني رمضان (أعضاء) قراراً جاء فيه: إن الهيئة المستقلة المنوط بها التثبت من قانونية إجراءات الإعتراض الإداري على المخابرات الهاتفية المجتمعة بكامل أعضائها في مقر رئيسها في قصر العدل في بيروت بتاريخ 10 ـ 4 ـ 2012. وبعد الإطلاع على تقرير المقرر تاريخ 10 ـ 4 ـ 2012، المتعلق بالتثبت من قانونية الإعتراض الإداري للمخابرات الهاتفية موضوع وثيقة الإحالة رقم 779 / أ م هـ / سري تاريخ 7 ـ 4 ـ 2012 الواردة الينا بتاريخ 7 ـ 4 ـ 2012.
وبناء عليه: حيث يتبين من وثيقة الإحالة المذكورة أعلاه أنها تضمنت ما يلي
1ـ تزويد المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بداتا الإتصالات كاملة منذ تاريخ 16 ـ 1 ـ 2012، ولغاية تاريخه لتتمكن من إجراء المقتضى حول هذه العملية الخطيرة (محاولة إغتيال الدكتور سمير جعجع الحاصلة بتاريخ 4 ـ 4 ـ 2012).
2ـ تزويد هذه المديرية بداتا الإتصالات كاملة بشكل دوري كما كان في السابق، لتمكينها من القيام بدورها في الحفاظ على الأمن والسلامة العامة.
وحيث إن هذه الهيئة وبقرارات سابقة اعتبرت أن طلبات الداتا الكاملة والشاملة وإن كان الهدف منها كشف الشبكات الأمنية والإرهابية المشبوهة، يمكن أن تشكل مساساً بالحريات الفردية التي كفلها الدستور والقانون رقم 140 / 99 الذي أناط بهذه الهيئة القضائية المستقلة الحفاظ على الحريات، وذلك لأن السماح بإعطاء الداتا كاملة يكشف السواد الأعظم من الشعب اللبناني ويجعله عرضة لخرق سرية وخصوصية مخابراته حتى لو كانت بحدها الأدنى.
لذلك تقرر وكانت الهيئة أعلنت في بيان انها بإجماع آراء الأعضاء القضاة الثلاثة قررت عدم الموافقة على طلب المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي لتسليم داتا الإتصالات المطلوبة، وإبلاغ هذا القرار كل من دولة رئيس مجلس الوزراء ومعالي وزير الداخلية والبلديات.
وعلل مصدر قضائي هذا القرار بقوله لـ"المستقبل" إن "إعطاء داتا الإتصالات الشاملة يخرق خصوصية كل اللبنانيين، ولكن إذا قدم طلب آخر خلاف ذلك يمكن درسه وإعطاء القرار المناسب بشأنه". مؤكداً أن "الهيئة لا تزال قيد تطوير معرفتها بمنظومة "الداتا" كي تتمكن من اتخاذ القرار القضائي المناسب على خلفية تقنية واسعة".
وردّ مصدر قانوني كبير في "14 آذار" على قرار الهيئة القضائية، فأكد أنه "في حالات الإغتيال ومحاولات الإغتيال والجرائم الخطرة على أمن الوطن، لا تستطيع القوى الأمنية الا أن تطلب الداتا الشاملة، لأنها لا تعرف الخطوط التي يستعملها الجناة". وأوضح المصدر لـ"المستقبل"، أن "الهيئة القضائية ليست ديمقراطية أكثر من بريطانيا وفرنسا، فأعرق الديمقراطيات في العالم تأخذ فيها الأجهزة الأمنية الداتا الشاملة لحظة وقوع الجريمة وليسألوا الدول الديمقراطية عن ذلك". وقال "أعرق الدول الديمقراطية في العالم تكافح الجريمة من خلال نظام كاميرات كامل ونظام الداتا الذي تأخذه كاملاً، ونسأل من يتكلّم عن حقوق الإنسان، هل هناك حق أهم من معرفة من قتل ومن سيقتل؟". مشدداً على أنه "لا يمكن أخذ جزء من الداتا لأن الأجهزة الأمنية لا تعرف حركة المجرم الجغرافية والزمنية أو رقم خطه".
وأسف المصدر لـ"إدخال مثل هذه القضايا الخطيرة في جدل بيزنطي، يردنا الى أيام بيزنطيا التي وصلت الى أسوأ أيامها، عندما كان الجدل قائماً إذا كانت ذكراً أم أنثى وسقطت يومها بيزنطيا نتيجة هذا الترف".
أضاف المصدر: "منذ سنوات والأجهزة الأمنية تأخذ الداتا كاملة، وحتى اليوم، كان وزير الاتصالات نقولا صحناوي يوقّعها كاملة. أما الآن وبعد عشرة أيام من محاولة إغتيال الدكتور سمير جعجع، فقد هرب الى مجلس الوزراء الذي أحالها بدوره على الهيئة القضائية التي لا تملك الخبرة عن الداتا، وهذه الهيئة مسؤولة عن مركز التنصت والتحكم الذي لم يجهّز حتى الآن، لذلك فإن الهيئة ليست لديها صفة للتعاطي مع الداتا، وفاقد الشيء لا يعطيه". مشيراً الى أنه "إذا كان البعض يتكلّم بالمنطق القضائي، فإن هيئة التشريع والإستشارات أصدرت في العام 2009 رأياً قضائياً حمل الرقم 139 يقول إن الداتا ليست تنصتاً ولا علاقة لها بالتنصت، وهي لا تخضع للقانون رقم 140 العائد لهذه الهيئة". وخلص المصدر الى القول "إزاء ما يحصل، فليتحمل كل طرف مسؤوليته".