#adsense

“الجمهورية”: بعد محاولة اغتيال جعجع… استعادة الشارع

حجم الخط

كتب نصير الأسعد في صحيفة "الجمهورية":

ألا ترتّب محاولة اغتيال رئيس حزب «القوّات اللبنانيّة» الدكتور سمير جعجع الأسبوع الماضي إلغاءً لـ«الهدنة» السياسيّة السارية منذ أكثر من عام من جانب 14 آذار تجاه السلطة وحكومتها؟

هذا السؤال فرض نفسه في الأيّام الأخيرة، إذ شكّلت محاولة الاغتيال مبادرةً من فريق نظام الأسد وحلفائه إلى تغيير «قواعد الاشتباك» السياسي في البلاد، أي المبادرة إلى إعادة إدخال الاغتيالات في الصراع السياسيّ الداخليّ من ناحية ولمصلحة النظام السوري من ناحية ثانية. فعلى رغم خطورة الأبعاد التي تنطوي عليها محاولة اغتيال جعجع، وعلى رغم الوعي العميق لدى قوى 14 آذار وقياداتها بخطورة المحاولة وأبعادها وتداعياتها، كان لافتاً جداً أنّ ردّ الفِعل الـ 14 آذاريّ لم يكن بـ «المستوى» المنتظر، إذ بقيَ في إطار الشجب للمحاولة والتضامن مع «ضحيّتها»، لكأنّ حسابات معيّنة دخلت على الخطّ لتستبعدَ ردّ فعل أقوى.

خلال نحو عام، وبالتزامن مع التطوّرات في المنطقة، لا سيّما منها الثورة السوريّة، ألزمت 14 آذار نفسها بقرارين ذاتيين انعكسا على أدائها وحتىّ على علاقتها بجمهورها، بل وضعاها في موقع دفاعيّ.

القرار الأوّل كان الاكتفاء من المواجهة مع السلطة، والحكومة تحديداً، بالمعارضة البرلمانيّة التي ترجمت في حقيقة الأمر شكلاً «عادياً» من المواجهة في ظرف غير عاديّ، لا سيّما أنّ تشكّل السلطة – الحكومة – لم يكن عادياً بل استثنائياً وبصيغة انقلابيّة موصوفة.

والقرار الثاني كانَ بإسقاط اللجوء إلى الشارع من أجندة «وسائل النضال» إسقاطاً تاماً، بحيث تمّ استبعاد النضال الشعبيّ السلميّ الديموقراطيّ، بل استبعاد الضغط الشعبيّ كعامل فاعل في تشكّل توازن القوى.

بمعنى آخر، تصرّفت 14 آذار خلال نحو عام… تحت سقف الحكومة التي ألّفها تحالف الأسد – «حزب الله» – إيران في انقلاب مكشوف على الديموقراطيّة. قد يقولُ قائل إنّ ذلك كان «الممكن»، وقد يقول قائل آخر إنّ هذا الأداء فرضه اعتبار الحرص على تجنيب البلاد الممرّات الصداميّة، وقد يقولُ قائل ثالث إنّ إبقاء «حزب الله» على الحكومة على رغم فشلها إنّما هو مؤشّر إلى عدم اتخاذه قراراً تفجيرياً بعد، وقد يقول رابع إنّ بقاء الحكومة بتناقضاتها «خير الأمور» في الظرف الراهن لا سيّما في مناخ انتظاريّ لِما ستؤول إليه التطوّرات والمتغيّرات العربيّة، والسوريّة تحديداً.

غير أنّ ذلك كلّه – على كونه مفهوماً – لم يعد ممكناً أن يصمد بعدَ «المفصل التفجيريّ» الذي مثّلته محاولة اغتيال «الحكيم». ذلك أنّ المحاولة في حدّ ذاتها وإن لم تحقّق هدفها – والحمد لله – تشكّل مبادرةً جديدة إلى مزيد من الإخلال بتوازن القوى في الداخل اللبنانيّ على عتبة مرحلة جديدة سورياً وعربياً وإقليمياً، لا سيّما أنّها تزامنت مع تصعيد «حزب الله» خطابه الانتصاريّ (!) من جهة والتهديديّ لـ 14 آذار من جهة أخرى. لقد باتَ مفروضاً على 14 آذار أن تعيدَ النظر في قرارَيها السابقين، وذلك من أجل استعادة ديناميّتها السياسيّة – الشعبيّة الديموقراطيّة. فالحكومة القائمة هي حكومة التواطؤ مع نظام الأسد. حكومة الصمت عن خروق هذا النظام للسيادة اللبنانيّة وعن قتله لمواطنين لبنانيين داخل الأراضي اللبنانيّة. حكومةُ الانشقاق عن الشرعيتيَن العربيّة والدوليّة. حكومةُ التغاضي عن أفعال وارتكابات سفارة نظام الأسد في بيروت. حكومةٌ لا تضمّ فقط من يحمون متهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري بل وزيراً للاتصالات يحجب داتا المعلومات عن التحقيق في الجرائم السياسيّة. حكومةُ انهيار الدولة… وحكومة الفساد في كلّ المجالات.

لم تعدُ هذه الحكومة كما قد يفهمها البعض «حكومة الستاتيكو». ففي ظلّها تعجز أجهزة أمنيّة عدّة عن حماية أمن الدولة اللبنانيّة، أمن أراضيها وشعبها. بل أجهزة أمنيّة عدّة تكيل بمكاييل وتلتزمُ مواقف معادية لـ 14 آذار فيما المطلوب منها الولاء للدولة، والدولة للجميع. وفي ظلّ الحكومة أيضاً بات الأمن في البلد ثكنات متنقلة تابعة لـ«حزب الله» وميليشيات الشبيحة.

بعدَ محاولة اغتيال جعجع التي يريد منفّذوها العودة بلبنان إلى زمن سابق من ناحية، وفرض وقائع سياسيّة – وطنيّة بالقوّة من ناحية ثانية، باتَ على 14 آذار مراجعة قراراتها السابقة.

لقد واجهت 14 آذار الاغتيالات بالناس… بالشارع. واجهت بالموقف السياسيّ الحازم.

صحيح أنّها لم تحقّق انتصار الديموقراطيّة على القوّة والسلاح، بيد أنّ استعادة الشارع مسألة داهمة. من أجل الاحتجاج على الاغتيالات وإعادة إدخال الناس في حساب التوازنات. ومن أجل الاحتجاج على حكومة يجب ألّا تبقى تغشّ أحداً. الاحتجاج على تواطؤاتها، على وزراء فيها… عليها كلّها. ومن أجل إعادة الأمن الشرعيّ إلى نصابه، أي من أجل أمن عادل وجدّي.

بعدَ محاولة اغتيال الحكيم، لم يعد يصحّ ما قبلَها!.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل