#adsense

دمشق و «المخرج» التركي

حجم الخط

اعلنت دمشق انها ستلتزم وقف اطلاق النار عند السادسة من صباح اليوم، لكن من غير المتوقع ان يدوم التزامها طويلا بعدما أرفقت تعهدها بتأكيد ان قواتها «ستبقى متأهبة للرد على أي اعتداء» وأصرت على استخدام تعبير «المجموعات الارهابية» لوصف المعارضة التي يفترض ان تبدأ مفاوضات معها بموجب خطة الموفد الدولي كوفي انان.

وبالتأكيد لن تخلو جعبة نظام الأسد من ذرائع وحجج لتبرير نكوصه اللاحق عن تنفيذ التعهدات التي قطعها. وكان انان دعاه الى «تغيير نهجه»، أي انه وضع اصبعه على موطن الداء، لان النظام لا يستطيع ان يتغير من تلقائه.

تصوروا ماذا سيحصل اذا اوقف الجيش النظامي فعلا اطلاق النار وانسحب الى الثكنات: بالتأكيد سينزل مئات الألوف من السوريين الى الشوارع في تظاهرات سلمية تدعو الى التغيير، فهل يتحمل النظام ذلك؟ وهل يسمح بأن تعم الاحتجاجات دمشق ذاتها، وان يشهد بنفسه على انهياره؟ بالطبع لا، ولهذا لن يدوم طويلا وقف النار الذي يسعى اليه انان، غير المتفائل أصلاً بنجاح مهمته ولو انه يرفض نعيها.

لكن لهذا الوضع اذا استمر مخاطر مرشحة للتصاعد بسرعة، فوزير خارجية دمشق الذي اعلن من موسكو ان تركيا اصبحت جزءاً من المشكلة في بلاده، يعني تماماً ما يقول، وهذا ما يفسر الاعتداءات العابرة للحدود التركية التي يرتكبها الجيش السوري وتستهدف مخيمات النازحين السوريين، والمرشحة للتصاعد، لأن دمشق بحاجة ماسة الى «مخرج» يحول الانتباه عن تعنتها.

ولطالما كانت سياسة النظام السوري تقوم على الهروب الى الخارج من مشكلات الداخل، وهو ابتكر لنفسه طوال اربعة عقود دوراً خارجياً في لبنان وفلسطين والعراق لكي لا يضطر الى التعامل مع وضعه الداخلي بما يحتم عليه التطور والتغيير. ويبدو انه لا يستطيع الانفكاك من هذه المعادلة النابعة من تركيبته الأقلوية والعائلية، ولذا يفكر ويعمل من اجل إقحام الخارج مجدداً، وليس هناك أفضل من تركيا يستفزها لترد على انتهاكاته، بحيث تنتقل المشكلة الى الحدود بينهما، بعدما فقد الورقة الفلسطينية إثر انسحاب «حماس»، وفشل في افتعال توتر على جبهة الجولان، ويخشى التفريط بحكومة موالية له في لبنان ومهتزة اصلاً، رغم انه لا يتوانى عن إحراجها أكثر بعدائيته وطلباته، وتتمنع ايران على ما يبدو عن التضحية بـ «حزب الله» بإشعال جبهة جنوب لبنان في توقيت لا يخدم مصلحتها المباشرة.

والاتراك يدركون المقاصد السورية، ولهذا لم يبادر جيشهم الى الرد على التجاوزات، ولم ينفذ التهديدات المتكررة بإنشاء منطقة عازلة داخل الاراضي السورية لحماية المدنيين، لأن ذلك قد يفجر مواجهة مع دمشق من دون غطاء من مجلس الأمن. ومع ان لتركيا حسابات تتجاوز سورية لتشمل إيران وروسيا، اللتين تحرص على ابقاء علاقاتها مستقرة معهما، رغم بعض التوتر أخيراً، وتجهد للفصل بين الملفات الثنائية معهما وتلك المتعلقة بالموقف من دمشق، فإن استمرار الاعتداءات قد يحرج أنقرة العضو في الحلف الأطلسي، ويمس هيبة قوة الردع التركية التي نجحت في السابق في كبح دعم دمشق لمتمردي «حزب العمال الكردستاني».

يبقى أنه لا يمكن التنبؤ بما قد يُقدم عليه نظام الأسد في بحثه عن مخارج لأزمته، طالما بقي العالم مشيحاً بوجهه ويمنحه المهلة تلو الاخرى.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل