#adsense

محاولة إغتيال.. أم إسقاط حلم جمهوري؟!

حجم الخط

في غمرة تسارع التطورات الميدانية والسياسية التي تشهدها الساحة السورية بفعل الانتفاضة الشعبية على حكم الرئيس بشار الاسد والتي أنهت عامها الأول دون ان تفتر همتها أو أن يفتّ من عضدها وحيويتها سلوك النظام السوري طريق القتل والمجازر الجماعية والقصف والتهجير ضد الثائرين والمنتفضين عليه وتدمير مدن بأكملها لأنها عصت عليه ونادت بالحرية.

ويقابل ذلك المشهد ازدياد حدّة التجاذبات السياسية الداخلية وارتفاع وتيرتها وانفعالها بالحدث السوري وتبعاته على دول الجوار والاقليم، وعدم اتفاق الأطراف اللبنانية الفاعلة ولو بالأحرف الأولى على بعض المرئيات والمشتركات التي تضع هذا الوطن الصغير بمنأى عما يجري من احداث دموية ومجازر في جارته الأقرب يقوم بها النظام السوري ضد المطالبين باسقاطه وهو الذي ما حذق إلا لغة الحديد والنار كوسيلة يتيمة للتحاور مع غالبية الشعب التي تخالفه الرأي والإتجاه وكذلك مع الذين يعارضونه من خارج الحدود ويرون فيه إحدى آخر التجليات البالية للانظمة الديكتاتورية البائدة في مشرقنا العربي.

وفي موازاة ذلك يشتد الحراك الدولي المحموم الذي يقوده موفد الجامعة العربية وهيئة الأمم المتحدة كوفي انان بهدف إيقاف حمام الدم في سوريا واخراجها من ازمتها المتفاقمة والتي يتخوف المراقبون من تحولها الى حرب أهلية طاحنة، قد لا تسلم من نارها معظم دول المنطقة وشعوبها، إذا ما ظل الحكم السوري متوسلاً سياسة الأرض المحروقة والتي تحاكي في همجيتها ودمويتها الجرائم الإسرائيلية المرتكبة ضد قطاع غزة في 2008 (عملية الرصاص المسكوب) ولبنان ولا سيما إبان عدوان تموز من العام 2006، إزاء المدن والمناطق السورية التي تفلت الواحدة تلو الأخرى من قبضته النارية ومن جنون ووحشية آلته العسكرية، التي تلتهم الشباب والحرائر والشيوخ وحتى الأطفال الخُدَّج.

وجاءت محاولة اغتيال رئيس «حزب القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع لتعيد إلى الذاكرة اللبنانية مسلسل التصفيات الجسدية الذي كان قد أودى بحياة كوكبة من نخبة رجالات لبنان وفي مقدمهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والذي استمر حاصداً العديد منهم ولم يهدأ إلا بعد إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إن هذه المحاولة قد سبقها اكتشاف خطة تستهدف تصفية المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي ورئيس شعبة المعلومات العميد وسام الحسن وكانت دعتهما الأجهزة الامنية لاتخاذ جميع وسائل الحيطة والحذر كذلك شملت تحذيرات هذه الأجهزة كلاً من رئيس مجلس النواب نبيه بري والنواب وليد جنبلاط، مروان حمادة الذي كان سبق وتعرض لمحاولة آثمة لاغتياله وسامي الجميل وحثتهم على التنبه والحرص في تنقلاتهم .إن هذه الجريمة ما هي إلا تكملة لشريط الجرائم الذي بدأ في العام 2004 وما تلاه.هذه الحادثة كانت تستهدف النيل من استقرار البلاد وأمنها وتتسق مع محاولات إحداث البلبلة والفوضى داخلياً من خلال إزاحة أحد أبرز القيادات المسيحية الرئيسية من المعادلة اللبنانية والذي يشكل العصب الحيّ والنابض في قوى الرابع عشر من آذار بغية تشتيتها وضعضعتها.. فالحكيم يحيط بكل ما تخطط له قوى الثامن من آذار وخصوصاً حزب الله الذي أضحى يشكل الستار الخلفي الحامي للنظام السوري وعليه فالحكيم أصبح مصدر قلق وإزعاج للقوى الإقليمية والجماعات اللبنانية المستتبعة لها تمهيداً لوضع اليد نهائياً على الوطن الصغير بعد السيطرة عليه سياسياً وعسكرياً.إن ناسك معراب أمسى عقبة كأداء في وجه المشاريع الهادفة لجعل لبنان ساحة لتبادل الرسائل ومخرزاً في عين المتربصين به شراً، فهو لم يشترِ حريته بالذل ولم يبعها كما فعل سواه بورقة صفراء كعقود الرهن والبيع والشراء.إن هذا العمل الإجرامي هو حلقة من مسلسل إرهابي هدفه إخفات الأصوات الحرة وخنق الحناجر التي تصدح بالحرية والاستقلال ولعلّ استخفاف بعض القوى اللبنانية وفي طليعتها حزب الله بهذه الحادثة وتشكيكها بها وإدراجها في إطار الاستثمار السياسي ما هو الا تبسيط للأمور وتسطيح لفكر اللبنانيين واستهزاء به، وهو ضرب من الكِبَر والصلف الذي يجسدهما اليوم حزب الله في تعاطيه مع سائر الفرقاء السياسيين.

من الواضح أن الحكيم يُزعج الكثيرين من قوى محلية وإقليمية ربما لتواضعه وموضوعيته في تحليل الأحداث ومجرياتها ورصانته وهدوئه في الملمّات، مبدئي في مواقفه يحترمه الخصوم قبل الحلفاء، قد تختلف معه في كثير من الآراء لكنك لا تملك إلا أن تقدّر له سلامة طويته وحسن الإصغاء لديه، فهو لا يصدّك عن سؤال مهما كان حساساً ومحرجاً بالنسبة إليه، يحترم الصحافة ويُجلّ اهلها فحواراته التي يقيمها والمنتديات التي يعقدها لا يغيب عنها العقل والمنطق بخلاف البعض الذي تنتهي مؤتمراتهم الصحفية بحفلة من الشتائم والعبارات المهينة التي تصبّ على رؤوس الصحافيين والحاضرين على حدٍّ سواء.. لقد أُتخم الناس بشعارات التغيير والاصلاح والعفّة لدرجة أصبحوا معها يعلكونها ويتجشأونها.

على حزب الله أن يتخذ موقفاً رسمياً من هذه الحادثة وأن يتعامل معها بجدية الحريص على أمن البلد ووحدته وسلامته وأن يضع إمكاناته وخبراته العسكرية والأمنية في خدمة التحقيق في هذه الجريمة.لقد أصبح الحكيم رقماً صعباً في المعادلة الداخلية غير قابل للتكسير ولا للتدوير وهامة وطنية تدخل في حسابات الدول الإقليمية وغير الإقليمية وتلقى منها الرضى والاستحسان وهذا ما يؤرق جفون البعض الذين يحلمون بكرسي الرئاسة الأولى كالجنرال ميشال عون، فناسك معراب لا يقيس الناس بذراعه ولا يكيلهم بصاعه كما درج عليه جنرال «التغيير والإصلاح»..ختاماً تستحضرني في هذه المناسبة قصة القنصل الروماني سينيسيناتوس الذي غادر مزرعته إلى الحرب ولما عاد منتصراً أذاب سيفه محوّلاً إياه إلى محراث.. هكذا فعل الحكيم علّ الجنرال البرتقالي يتّعظ من عِبَر التاريخ.
الرصاصتان الآثمتان لم تكونا تستهدفان جسد ناسك معراب بل ربما كانتا تحاولان إسقاط حلم جمهوري بدأ نجمه يسطع.
 

المصدر:
اللواء

خبر عاجل