في معلومات لـ"الجمهورية" أنّ وزير المال محمد الصفدي بعث بمذكّرة الى كلّ وزارات الدولة وإداراتها العامّة يطلب من القيّمين عليها الإنفاق على اساس موازنة العام 2005 ابتداءً من الشهر الجاري في وقت تبيّن انّه لم يبقَ في صناديق هذه الوزارات والإدارات أيّ أموال لتأمين المستلزمات والنفقات بسبب عدم إقرار الموازنة العامّة للسنة الجارية، وكذلك عدم إقرار سلفة الـ 8900 مليار ليرة لتأمين النفقات العامّة في انتظار إقرار هذه الموازنة.
وفي المعلومات ايضاً أنّ مؤسّستين تواجهان أزمة جدّية من جرّاء التلكّؤ الحكوميّ خصوصاً والرسميّ عموماً في إقرار سلفة الـ 8900 مليار وهما مؤسّسات القوات المسلّحة من جيش وقوى أمن داخلي وأمن عام ووزارة الصحّة العامّة بما فيها المستشفيات الحكومية، ذلك انّ انعدام الاموال اللازمة لمجمل هذه المؤسّسات سيؤدّي حتماً الى توقّف التجّار الموردين للجيش والأجهزة الأمنية ووزارة الصحّة عن تزويدها بالادوية وبقيّة المستلزمات التي تدخل في نطاق الخدمات التي تقدّمها للمدنيّين والعسكريّين، لأنّ هؤلاء التجّار لا يمكنهم تحمُّل مديونيّة بهذا الحجم الكبير لطبابة نحو 120 ألف عسكري وأمني وعائلاتهم، الى مئات الالوف من اللبنانيّين الذين يعالجون في المستشفيات الحكوميّة وعلى حساب وزارة الصحّة.
وحذّرت مصادر في المعارضة من أنّ عدم توافر معالجة سريعة لهذه المشكلة، سيهدّد البلاد بأزمتين خطيرتين: الأولى عسكرية ـ أمنية، والثانية حياتية ـ اجتماعية. فالأزمة العسكرية ـ الأمنية تبدأ من أمن الحدود الذي يتولّاه الجيش وتنتهي بالمطار والمرافئ والمهمّات التي تتولّاها القوى العسكرية والامنية للحفاظ على الامن والسلم الأهلي في المناطق التي تتعرّض لمشكلات، سواء على المستوى الامني، أو على مستوى التوتّر المذهبي والطائفي. وكذلك قد تطاول هذه الأزمة مهمّات مؤسّستي قوى الامن الداخلي والامن العام في مختلف المرافق والمراكز الحيوية.
وإلى ذلك، وفيما الاهتمامات بدأت تنصبّ على قضيتي الكهرباء وارتفاع أسعار البنزين التي بلغت 40 ألف ليرة للصفيحة والمرجّح أن تصل الى حدود الخمسين الف ليرة نتيجة غياب سياسة أسعار واقعية لهذه المادة المشتعلة، فإنّ مصادر المعارضة تتوقّع تفجّر مشكلة اجتماعيّة بغتة من دون أن يشعر بها المسؤولون وعامّة اللبنانيين، وتطاول القطاع الصحّي، بحيث إنّ هذه المشكلة ستتفاقم بالتوازي مع ازمتَي ارتفاع اسعار البنزين والكهرباء بما يهدّد بانتفاضات شعبية في الشارع، الأمر الذي سيفرض على الحكومة الطلب من القوى العسكرية والامنية التدخّل لضبط الاوضاع في الوقت الذي لن تكون هذه القوى قادرة على تنفيذ هذه المهمّة معنويّاً ونفسيّاً لأنّ ضبّاطها وأفرادها يعانون من المشكلات نفسها التي يشكو منها اللبنانيّون.
وفي ضوء هذه المعطيات أكّدت مصادر المعارضة أنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان يدرس إمكان توقيع مرسوم الـ 8900 مليار ليرة بمعزل عن ملفّ النفقات العامّة من العام 2006 وحتى العام 2010 البالغة 11 مليار دولار الذي يحتاج الى قوننة في مجلس النوّاب. وقالت المصادر إنّ سليمان إذا أقدم على توقيع هذا المرسوم تحت عنوان استمرارية المرافق العامّة وتأمين مطالب الناس، إنّما يكون قد اتّخذ قراراً يمكن أن يوسّع الشرخ السياسي، خصوصاً أنّ مجلس النوّاب بكلّ إمكاناته وتمثيله الشعبي لم يستطع إيجاد حلّ لهذا الموضوع، بحيث يمكن ان تترتّب على هذا القرار الرئاسي نتائج سياسية سلبية على المستويات المحلّية والاقليمية والدوليّة، لأنّ المعارضة تعتبر سليمان حتى الآن، على رغم توقيعه مرسوم "حكومة اللون الواحد"، ما زال يحافظ على استقلاليّة وتوازن ولو بالحدّ الأدنى.
وفي هذا الإطار سألت أوساط سياسيّة عن الأسباب التي دفعت المعنيّين الى رمي هذه المشكلة الماليّة في ملعب رئيس الجمهورية، "وهل المراد من ذلك ان يرفض توقيع هذا المرسوم ويخلط الأوراق من جديد ليعيد التوازن الى الحكومة والذي فقدته منذ عام؟"
وإلى ذلك، ينقل بعض السياسيّين عن الصفدي تأكيده أنّه لا يستطيع صرف أيّ مبلغ بالطريقة التي صُرف بها مبلغ الـ 8900 مليار ليرة العام الماضي، ومبلغ الـ 11 مليار دولار أيّام الرئيس فؤاد السنيورة "لأنّه سيأتي لاحقاً من يحاسبني، ولذلك لا يتّكلنّ أحدٌ عليّ في الإقدام على خطوة من هذا النوع، أو حتّى مجرّد التفكير بها من قريب أو بعيد".