قياساً بمواصفات الحياة الحديثة في المجتمعات المتطورة، يشكو لبنان من تفاقم عجز الكهرباء، ونقص امدادات المياه، وسوء حال الاتصالات.
الخدمات الثلاث ذات أهمية قصوى لتوفير مستويات حياتية متقدمة ولتمكين البلد من مواكبة التطور العالمي وتنميته وايجاد فرص عمل للجيل الجديد.
بالنسبة الى الكهرباء، السبب الرئيسي لتردي الطاقة والخدمات هو اهمال الحكومات المتعاقبة تنفيذ توصيات دراسة البنك الدولي التي انجزت عام 1996، ومنها التوجه تدريجا نحو التشركة – بين القطاع العام والقطاع الخاص – وترفيع شبكة النقل لضبط الهدر، وتفعيل تحصيل المستحقات، وتوسيع طاقة الانتاج، وضبط برامج الصيانة، وتجديد طاقم موظفي كهرباء لبنان.
هذه التوصيات لم يتحقق أي منها منذ 18 عاما، وخلال هذه الفترة تقادمت ادوات الانتاج، واستعملنا المازوت بدل الغاز لتوليد الكهرباء في مصفاتي البارد والزهراني، وارتفعت تكاليف المحروقات، وتكاليف قطع الغيار التي تآكلتها المحروقات المشبعة بالكبريت، وتعاظمت خدمات مولدي الكهرباء الذين يوفرون الامدادات بأسعار باهظة، فبات اللبناني يدفع ثمنا للكهرباء، واصلاح اعطال المعدات الكهربائية نتيجة التعطيل أو التجهيزات البلدية، يفوق ما يدفعه المشترك في باريس أو لندن، ناهيك بوضع الصناعيين الذين يشكون من قلة القدرة على المنافسة لأسباب كثيرة ومتنوعة.
أما المياه، فتتوافر في لبنان عبر التساقط الى حد يسمح، في حال اقرار برامج حفظ وتنقية، بكفاية كل الحاجات الحالية والمستقبلية مع القدرة على تصدير كميات قد تساوي ملياري متر مكعب سنويا في مقابل دخل يراوح بين 8 و10 مليارات دولار.
وعجز امدادات المياه عن تغطية الحاجات المنزلية والزراعية للمواطنين كما حاجات الصناعة، هو العجز الاعجب والافدح، ودراسات الموارد المائية وسبل تطويرها وحفظها متوافرة منذ اوائل التسعينات.
وأما الاتصالات وخدمات الانترنت والشبكة العريضة فحدث عنها ولا حرج. منذ ثلاث سنوات والوعود تتوالى بتحسين الخدمة، وخفض الاسعار، بينما الخدمة تسوء يوما بعد يوم، والاسعار خفضت للاستعمال الليلي في حدود ضيقة. والاتصالات باتت مفتاح النشاطات الحديثة ومن دون توافرها على مستوى الدول القريبة والحديثة لا يمكن توقع احتلال لبنان موقعا على خريطة التميز الدولي. ومع ذلك فان هذه الحكومة، على تنافر مواقف اعضائها، يمكن ان تتوصل الى اختراق لبنان حاجز التخلف وتسلقه معايير الانتاج، والسؤال كيف؟ وهنا نريد الالتفات الى خبرة الغير.
لقد واجهت اسرائيل عام 1988 افلاس قطاعها المصرفي وشارفت الدولة الافلاس، فتوافر لها دعم اميركي استثنائي لكون تلك السنة سنة انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة، على جاري العادة في السنوات الانتخابية لأسباب معروفة. ومن ثم وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي بدءا من عام 1989 وسقوط حائط برلين، ونهب الثروات الوطنية الروسية على ايدي عدد محدود من الموظفين السابقين ورجال الاعمال الجدد وغالبيتهم من اليهود، سجلت موجات هجرة كبيرة من اليهود السوفيات الى اسرائيل، وكان هؤلاء يحوزون طاقات علمية فريدة، سواء في مجالات المعلوماتية، أم الصناعات الالكترونية.
وقد رحب الاسرائيليون بالتدفق البشري من الاتحاد السوفياتي، وتدفق مليارات الدولارات مع عدد محدود من مستغلي نهب روسيا، ممن لجأوا الى اسرائيل، سواء لاستعمال ثرواتهم الجديدة، أم لاقتناص حصانة قانونية تمنع السلطات الروسية من ملاحقتهم.
المهاجرون الروس أمنوا أموالاً ملحوظة للاستثمار وطاقات مهمة لتصنيع المعدات الالكترونية الحديثة وخصوصا تلك التي تستعمل في مجال العناية الصحية كما المنتجات العسكرية الالكترونية. وأواسط التسعينات صارت صادرات اسرائيل من البرامج الالكترونية والصناعات الحربية المتطورة على مستوى 16 – 20 مليار دولار سنويا، واستطاعت اسرائيل ان تستعيد حيوية لاقتصادها ساهمت في رفع معدلات الدخل الفردية الى المستويات الاوروبية.
الاسبوع المنصرم تحقق اكتشاف ثالث لحقل من الغاز في المياه الاسرائيلية يحتوي على 32 مليار قدم مكعب من الغاز، وعملية التنقيب عن هذا الحقل بدأت فقط منذ 10 أشهر، وبلغت تكاليف العملية 50 مليون دولار فقط. وقبل ذلك حققت اسرائيل اكتشاف حقلين احدهما يسمى العملاق LEVIATHAN نظرا الى الكميات الكبيرة التي اكتشفت فيه. وفي كتابه The Quest يشير دانيال يرغن، وهو كاتب اختصاصي معروف في شؤون النفط، ان هذا الاكتشاف كان من الاكبر في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين، وثروة الغاز في اسرائيل مكنت الاسرائيليين من كفاية حاجاتهم من الكهرباء عن سبيل استعمال الغاز في المقام الاول وهم تعاقدوا على توفير 2000 ميغاوات من الكهرباء المولدة بالغاز عبر خط بحري الى قبرص، علما ان القبارصة ايضا اكتشفوا موارد للغاز بعد سنة فقط من اطلاق عملية التنقيب.
الخطوة الاولى في مسار اصلاح اوضاع لبنان كهربائياً، هي انجاز خط للغاز بين البارد وصور. فهذا الخط يسمح بنقل الغاز اذا استورد في ناقلات للغاز السائل، أو الغاز من مصادر اخرى منها مصر، وربما سوريا في المستقبل، كما يسمح بنقل الغاز الذي قد يكتشف في اية حقول تتوصل الابحاث فيها الى نتائج جيدة، ونحن على ثقة من تحقق نتيجة كهذه قياسا بتخمينات ذوي الاختصاص عن ثروة الغاز والنفظ في شرق المتوسط، ونتائج ابحاث الاسرائيليين والقبارصة.
وتستطيع الحكومة ان تتعاقد منذ اليوم على استيراد الغاز السائل من قطر، في مقابل شروط ميسرة، ليس فقط لان قطر تبدي استعداداً للمساعدة، بل ايضا لان قطر باتت في حاجة الى تسويق كامل انتاجها من الغاز السائل. فالاكتشافات الكثيرة في الولايات المتحدة لمخزون غاز صخور الطفل الصفحي، والتي تكفي حاجات الاستهلاك بالمعدل الحالي 100 سنة، قلبت معادلات سوق الغاز وشحناته. ذلك أن العقود لانشاء مصانع لتسييل الغاز وشحنه كانت تنجز لفترة 20 سنة وتزيد، نظرا الى تكاليف انشاء مصانع التسييل، والناقلات الخاصة، ومصانع اعادة الغاز من الغاز السائل المضغوط والمنقول في ناقلات تحفظ الحرارة تحت الصفر بكثير الى الشكل الطبيعي للغاز.
الاكتشافات الاميركية، والاكتشافات المرجحة في كندا دفعت سوق الغاز نحو التنافس، فتراجعت الاسعار وصارت اسعار الغاز لكمية موازية بالوحدات الحرارية لبرميل النفط لا تزيد على 14 دولاراً، في حين ان برميل النفط يباع بـ110 دولارات. كما ان شحنات الغاز السائل الى اليابان وكوريا والهند باتت متوافرة ليس فقط من الشرق الاوسط من قطر وأبو ظبي بل ايضا من اندونيسيا واوستراليا حيث اكتشفت كميات هائلة من الغاز. واسعار هذه الشحنات تراوح بين 40 و45 دولاراً لما يساوي برميلا من النفط (الدراسات المنجزة لوزارة الطاقة اللبنانية تفيد عن سعر لمليون وحدة حرارية 14 دولاراً وهذا السعر مرتفع لان الفارق يعود الى عملية تغويز الغاز السائل اي تحويله غازاً طبيعياً وهذه كلفة فائقة).
بكلام مختصر وحقيقي، ثمة فرصة للبنان كي ينجز خط الغاز المشار اليه، ويتعاقد على شراء كميات من الغاز يمكن بدء استقبالها في غضون سنة في البارد والزهراني، وتزويد المحطتين القائمتين الغاز بأسعار تخفض فاتورة كلفة انتاج الكهرباء من المحطتين 500 مليون دولار سنويا. واذا اقدمنا على انجاز محطات بطاقة 3000 ميغاوات وخصصنا لهذه ولخط الغاز ثلاثة مليارات دولار على ثلاث سنوات، نتوصل الى تحقيق وفر على مستوى فاتورة استيراد النفط توازي ملياري دولار في السنة. فالوفر يكون لمحطات الكهرباء كما لمصانع الاسمنت والاسمدة والتي تقوم على الشاطئ، وتاليا نستطيع ايفاء اي استدانة خلال سنتين من الاستعمال، هذا اذا لم نلجأ الى ادخال القطاع الخاص في هذه العملية والى مشاريع تطوير مصادر المياه وحفظها.
معلوم أن التوصية باشراك القطاع الخاص في مشاريع الطاقة والمياه طرحت في تقرير الخبراء الثمانية الذي قدم في 5 ايار 1992 الى الحكومة ومن بعد اهمل لان الحكومة استقالت في 6 ايار، وهذه التوصيات اشار اليها تقرير البنك الدولي بالنسبة الى الكهرباء، ولا تزال الفكرة تطرح ثم تؤجل نتيجة مواقف سياسية.
اليوم لدينا حكومة يمثل اعضاؤها مختلف الزعامات السياسية، لكننا على اقتناع بان غالبية وزرائها، اكثر من الثلثين، يتمتعون بالعلم والمنطق، فان هم اقدموا على تبني مشروع لزيادة الطاقة الكهربائية الى مستوى 3000 ميغاوات، وسرّعوا خطوات استقدام الغاز واستخدامه، وتلزيم البحث والتنقيب وتأمين ادخال القطاع الخاص في مجال توفير الكهرباء والمياه، نكون قد حققنا الخطوة الاولى في تعويض ما فاتنا حتى تاريخه.
اللبنانيون كأفراد اشتهروا باقتناص الفرص، والفرصة متاحة للاستفادة من فائض الغاز وتدني اسعاره، والفرصة متاحة لاستثمار موارد المياه، واضاعة الفرصة بالفعل تعني ان الطاقم السياسي لا يستحق مسؤولية قيادة لبنان ورسم مستقبل ابنائه.