"نظام الرئيس بشار الأسد مستعد لتحدي المجتمع الدولي ورفض الانصياع لمطالب خطة المبعوث المشترك الدولي – العربي كوفي أنان، الأمر الذي يدفعه الى وضع شروط تعجيزية على تنفيذها، لأن هذه الخطة تهدف أساساً الى تغيير النظام السوري سلمياً في إشراف مجلس الأمن وليس الى إنقاذه وحمايته أو الى تشجيع القوى المعارضة على الرضوخ له. ولقيت مهمة أنان دعماً قوياً من كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وبينها روسيا والصين ومساندة من الدول الإقليمية والأجنبية المعنية بالأمر لأن هؤلاء الأطراف باتوا يدركون انه ليس ممكناً انقاذ سوريا من محنتها الخطيرة والتمسك في الوقت عينه ببقاء نظام الأسد بتركيبته وطبيعته وتوجهاته الحالية". هذا ما أدلت به الينا مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على مهمة أنان، وركزت في هذا المجال على المسائل الأساسية الآتية:
أولاً: خطة أنان تدعو صراحة وبوضوح الى "إطلاق عملية سياسية شاملة يقودها السوريون من أجل الاستجابة للتطلعات المشروعة للشعب السوري ولهواجسه" وترفض ضمناً قبول الإصلاحات الشكلية التي يتبناها الأسد والتعامل معها على أساس انها تحقق التغيير المنشود. كما تدعو الخطة السلطات السورية الى "التعاون" مع أنان ضمن إطار هذه العملية السياسية والى "تعيين محاور لهذا الغرض يتمتع بالسلطات الضرورية عندما يطلب منه المبعوث المشترك ذلك". وهذا يعني ان الخطة تستبعد أن يقود الأسد العملية السياسية الجديدة وتريد تعيين محاور سوري رسمي يتفاوض مع القوى المعارضة التي لن يختارها النظام من أجل إنجاز عملية التحول السياسي. وهذا الاقتراح يتفق ضمناً ونص المبادرة العربية التي دعت الأسد الى أن يسلم صلاحياته الكاملة الى نائبه من أجل التفاوض مع المعارضة على مرحلة انتقالية تقود الى نظام ديموقراطي تعددي.
ثانياً: أنان لن يترك الطرفين السوريين يتفاوضان وحدهما بل انه سيشارك في العملية السياسية ويقدم اقتراحات وأفكاراً تتناول أهدافها وطريقة الانتقال الى إقامة نظام ديموقراطي تعددي يرتكز على التداول السلمي للسلطة والانتخابات التعددية الحرة والشفافة.
ثالثاً: تبنت كل الدول الأعضاء في مجلس الأمن خطة أنان في بيان رئاسي أكد ان المجلس "يقدم دعمه الكامل" لجهود المبعوث المشترك "من أجل تسهيل الانتقال السياسي وبقيادة السوريين الى نظام ديموقراطي وتعددي يرتكز على المساواة بين المواطنين أياً تكن انتماءاتهم السياسية أو العرقية أو الدينية". وهذا يعني ان العملية السياسية التي تريد خطة أنان إنجازها تهدف الى تجاوز نظام الأسد والانتقال الى مرحلة جديدة وديموقراطية في سوريا.
رابعاً: ترفض خطة أنان أن ينطلق الحوار السياسي في ظل المواجهات الدامية وأعمال العنف والقمع والترهيب، بل انها تطلب من السلطات السورية وقف الخيار العسكري – الأمني بكل أشكاله وإطلاق المعتقلين وضمان وصول المساعدات الإنسانية الى كل المناطق المنكوبة واحترام حق التظاهر السلمي للمواطنين والسماح للصحافيين بالتنقل في كل أرجاء سوريا، وتطلب أيضاً من المعارضين المسلحين وقف القتال. وهذه المطالب تتفق ونص المبادرة العربية التي رفضها الأسد وتؤدي الى إضعاف النظام سياسياً وشعبياً، إذ ان تنفيذها سيعطي زخماً هائلاً للتظاهرات الشعبية المعادية للنظام وللثورة السلمية.
خامساً: العملية السياسية التي تريد خطة أنان إطلاقها تتطلب من نظام الأسد أن يقدم تنازلات جوهرية أبرزها الاعتراف بوجود شعب محتج والتراجع عن اتهام المحتجين بأنهم متآمرون وإرهابيون والموافقة على تفويض "محاور" من أجل التفاهم مع المعارضة الحقيقية على إقامة نظام سياسي جديد ديموقراطي وإعادة السلطة الى الشعب لكي يختار ممثليه وحكامه من طريق انتخابات حرة وشفافة تجري في ظل رقابة دولية.
واستناداً الى ما قاله لنا مسؤول دولي مطلع، "فإن تطبيق خطة أنان بكل بنودها يشكل هزيمة سياسية واستراتيجية لنظام الأسد لأن هذه الخطة تنهي، في حال تنفيذها، حكمه وتساعد على نقل سوريا الى مرحلة جديدة مختلفة جذرياً عن المرحلة الحالية ضمن إطار التوافق بين خصوم هذا النظام وحلفائه الروس والصينيين. والبديل من خطة أنان ليس انتصار الأسد على خصومه بل انزلاق سوريا الى أوضاع بالغة الخطورة حذرت منها القيادة الروسية التي تدرك أن النظام لن يستطيع السيطرة على الأوضاع في حال فشل مهمة المبعوث المشترك وتتخوف جدياً من تصاعد العمليات العسكرية للمعارضين بعد تلقيهم كميات جديدة من الأسلحة مما يؤدي الى سقوط البلد في دوامة حرب أهلية طويلة".