#dfp #adsense

ما سبب الإستفاقة العونية على الصلاحيّات الرئاسية؟

حجم الخط

من سخريات القدر ومن علامات «نهاية الأزمنة» أن يصبح «التيّار الوطني الحر» أكثر حرصاً من رئيس الجمهورية نفسه على ممارسة صلاحيّاته.
 
إنّ آخر من يحقّ له الكلام عن الصلاحيّات الرئاسية هو العماد ميشال عون وكلّ من يمتّ له بصِلة في لبنان والمهجر، لأنّه يتحمّل وحده مسؤولية تقليص صلاحيّات رئاسة الجمهورية وإضعاف الموقع الأوّل في البلاد، والسعي المتواصل إلى تحجيمه وتهميشه. وما الدعوة العونيّة للرئيس سليمان إلى استخدام صلاحيّاته المنصوص عليها في المادة 58 من الدستور بإصدار القانون الرامي إلى فتح اعتمادات إضافية في موازنة العام 2011 بقيمة 8900 مليار ليرة سوى مزايدة مكشوفة الغايات والأبعاد، وحملة تهويل ليس لها بداية ولا نهاية.

فتحتَ ذريعة أنّ الدولة متّجهة إلى ما يشبه الإفلاس، وأنّها لن تكون قادرة على دفع رواتب موظفيها والإنفاق على عدد كبير من مشاريعها، وأنّ وزير المال محمد الصفدي دقّ ناقوس الخطر، وأنّ مجلس الوزراء رفض الموافقة على طلب سلفة خزينة بقيمة 4900 مليار، بذريعة وجود صلاحيّة للرئيس لإصدار مشروع الـ 8900 مليار، ثمّة محاولة مفضوحة لإحراج ميشال سليمان وحشره بغية الانحياز إلى وجهة نظر فريق من اللبنانيّين على حساب الفريق الآخر، وجرّه إلى التوقيع على الإنفاق الاستثنائي إفساحاً في المجال أمام حكومة "حزب الله" لتتمكّن من الصرف الانتخابيّ تحسيناً للوضعيّة العونيّة عشيّة الانتخابات النيابية.

إنّ إصدار رئيس الجمهورية قانون الإجازة بإنفاق الـ 8900 مليار ليرة كما حوّله مجلس الوزراء إلى مجلس النوّاب يعني ضرب مبدأ التلازم الذي تمسّكت فيه 14 آذار بين مشروعَي الـ 8900 مليار والـ 11 مليار دولار، وترجيح "منطق" 8 آذار الذي كان يسعى إلى "قوننة" الـ 8900 مليار ليرة التي أنفقتها حكومة ميقاتي من خارج الموازنة وعلى القاعدة الاثني عشرية وترحيل الـ11 مليار على طريق البحث عن المخرج القانوني الذي سيبقى حكماً في إطار البحث التسويفي بغية إبقاء هذا الملفّ مفتوحاً وعرضة للابتزاز السياسي والحملات المغرضة والتشويه والتزوير المتعمّدين، لأنّ هذا الفريق لا يتقن سوى فبركة الملفّات تحويراً للأنظار عن المشكلة الأساس المتمثّلة بسلاحه الذي يعيق قيام مشروع الدولة في لبنان.

ويدرك الرئيس سليمان أنّ قوى 14 آذار تصرّ على الربط والحلّ الشامل لكلّ الموضوع، وأنّ 8 آذار عاجزة عن تأمين النصاب السياسي في البرلمان في ظلّ الموقف الجنبلاطي الرافض أن يكون عامل ترجيح لغلبة هذا الفريق في الموضوع الذي يعتبر نفسه معنيّاً فيه، لأنّه كان مشاركاً وشريكاً في حكومتَي فؤاد السنيورة بين أعوام 2005 و2009، فضلاً عن أنّ مصلحته الوطنية والعربية تكمن في الاقتراب من 14 والابتعاد عن 8.

ومن الواضح أنّ سليمان متيقّن جيّداً لمناورات 8 آذار السياسيّة، وهو لذلك ما زال يدعو المجلس النيابي إلى القيام بدوره، فضلاً عن أنّه يضع استخدام صلاحيته الدستورية في إطار المحافظة على انتظام عمل المؤسّسات الدستورية والصالح العام، خلافاً لرغبة الأكثرية التي تريد تحويل صلاحيته منصّة لضرب المؤسّسات وعملها وانتظامها.

ومن هذا المنطلق لا يجب أن يعتبر رئيس الجمهورية نفسه مسؤولاً عن الأزمة المفتعلة، لأنّ مسؤولية حلّها تبدأ من حلّ مسألة المليارات في المجلس النيابي على قاعدة تحقيق التلازم بين مشروعي الـ 8900 مليار والـ 11 مليار دولار. فكلّ ما يقوم به الفريق الآخر يتمثّل بالآتي:

أوّلاً، الضغط المعنويّ على رئيس الجمهورية من زاوية تحميله مسؤوليّة الأزمة الماليّة التي تهدّد البلاد لدفعه إلى استخدام صلاحيته عبر إصدار مشروع القانون بمرسوم.

ثانياً، الاستفراد بميشال سليمان ووضعه في مواجهة 14 آذار.

ثالثاً، محاولة التذاكي والهروب إلى الأمام تمريراً لـ 6 مليارات دولار.

رابعاً، الالتفاف على موقف النائب وليد جنبلاط الممتنع والذي أفقد الأكثريّة أكثريتها.

خامساً، "تغذية" وزاراته وإداراته بغية توظيفهما لأغراضه الانتخابية، وهو بأمسّ الحاجة إليها في ظلّ وضعه المأزوم وطنيّاً وعربيّاً ودوليّاً.

المدخل الوحيد لحلّ الأزمة الجديدة المفتعلة هو المجلس النيابي، وعلى رئيس الجمهورية أن ينقل المشكلة من حضنه إلى حضن 8 آذار، كونها موجودة فعلاً لدى هذا الطرف الذي يتحمّل وحده تبعات تعنّته ورفضه حلّ أزمة المليارات، ويكون الرئيس بذلك قد مارس صلاحيّاته برفضه الإملاءات غير الدستورية عليه وإعادته الأمور إلى نصابها بتعطيله المسار التعطيلي الذي انتهجه، وما يزال ينتهجه، الفريق الآخر.

أمّا لجهة الصلاحيّات وتحوّل أقطاب التيّار إلى "دلوز" في الفقه الدستوري فمسألة أخرى فيها نظر، إنّما تندرج أيضاً في إطار التصويب المتجدّد على موقع رئاسة الجمهورية وإظهار من يعتليها بأنّه يفرّط بصلاحيتها…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل