محاولة إغتيال جعجع حرّكت الأوضاع الداخلية وصعّدت المواجهة بين المعارضة وبعض أطراف الأكثرية
فشل عملية الإغتيال أسقط حسابات المخطّطين لتبديل موازين القوى السياسية لصالحهم
إن تبدّل المشهد السياسي الداخلي وتغيير الواقع السياسي برمّته، يبقى محكوماً بما ستؤول إليه الأزمة السورية
في اعتقاد مصدر نيابي معارض أن محاولة اغتيال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الفاشلة قد حركت الأوضاع السياسية السائدة في لبنان من ركودها المعتاد بفعل تحسس القوى السياسية الأساسية في المعارضة عموماً لحساسية الظروف الاقليمية الهشّة التي فرضتها الانتفاضة الشعبية السورية الواسعة منذ أكثر من عام تقريباً، وقد تمهد هذه الحادثة الآثمة والخطيرة الطريق لبداية مرحلة سياسية جديدة، إذا أحسنت قوى المعارضة التي أكدت على وحدتها وتضامنها السياسي الكامل في لقاء معراب الأخير، التعاطي مع ما حدث ضدها باندفاعة منسقة ومدروسة وفاعلة لإخراج البلاد من الواقع السياسي المفروض على اللبنانيين فرضاً منذ «الانقلاب السياسي» المزيّف بترهيب النظام السوري وسلاح «حزب الله» عشية إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري في خريف العام 2010، بعدما سقطت بعض العناصر الأساسية للانقلاب المذكور بفعل تهالك مؤشرات تدخل النظام السوري في الداخل اللبناني لانشغاله بإخماد الانتفاضة الشعبية التي أوهنت مرتكزات النظام المذكور بالرغم من لجوئه لاستعمال آلة القتل والقمع والتنكيل الدموي الكبيرة التي يملكها ولم يفلح في القضاء عليها، بل أصبحت تفرض نفسها بقوة على الساحة السورية ولها تأثيرها الواضح في رسم مستقبل النظام البديل المرتقب في سوريا الجديدة.
ويلفت المصدر الى ان فشل محاولة اغتيال زعيم «القوات اللبنانية» اسقط حسابات القائمين على عملية الاغتيال والمستفيدين منها على حدٍ سواء وهم ليسوا خارجين عن عباءة القوى والجهات التي رعت ونفذت سائر عمليات الاغتيال الارهابية السابقة، وقطع الطريق على امكانية تحقيق هدفهم الاساس في تغيير موازين القوى السياسية التي تناهض مخططاتهم وطموحاتهم المحلية والاقليمية لوضع اليد بالكامل على الواقع السياسي، بعدما فشلت كل محاولاتهم السابقة والحالية في تطويع بعض القوى الاساسية في المعارضة لصالحهم، وبدأت مؤثرات الانتفاضة الشعبية السورية تهدد مرتكزات نفوذهم الداخلي والاقليمي وتضعف موقعهم الحالي في موازين القوى السياسية القائمة حالياً، بالرغم من محاولاتهم المتواصلة للجوء الى استعمال السلاح مجدداً، للاستقواء به في اللعبة السياسية الداخلية كما ظهر ذلك صراحة على لسان اكثر من مسؤول وقيادي لهذه القوى التي لم تعد قادرة على مواجهة اللبنانيين بخطاب واقعي جديد، ينبذ فكرة اللجوء الى لغة الترهيب والتهديد والاستقواء المعتادة، ويمهد للتقارب اكثر فأكثر من سائر الفئات والاطراف اللبنانية الاخرى ويرسم معالم مرحلة سياسية جديدة، تؤسس لقيام دولة بكل ما للكلمة من معنى، تجمع كل اللبنانيين تحت رايتها وتزيل كل هواجس التبعية للآخرين في الخارج اياً كانوا، وتبدد مخاوف الاستقواء بالسلاح غير الشرعي تحت اي عنوان كان، بل بقيت هذه القوى التي تدعي «المقاومة» تارة ضد اسرائيل و«الممانعة» تارة اخرى تعيش في مفاعيل الزمن السابق وفي بوتقة معزولة متجاهلة كل المتغيرات المتسارعة وخصوصاً السورية منها وكأنها لم تحصل، وهو الامر الذي يزيد في حالة الارباك السياسي الحاصل، ويؤثر سلباً على كل محاولات التقارب وتبديد عوامل انعدام الثقة القائمة بين مختلف الاطراف السياسيين في الداخل اللبناني.
ويعتبر المصدر النيابي ان تصرفات وردود الفعل لدى بعض القوى السياسية في تحالف الثامن من آذار تجاه محاولة الاغتيال الفاشلة لجعجع، لا تبعث على تشبث هذه القوى بخطابها السياسي المتحجر فقط، بل توشر ايضاً الى استمرارها في نهجها وممارساتها السابقة التي ادخلت البلاد في حالة الانقسام السياسي والشعبي القائم حالياً بكل مفاعيلها السلبية والضارة على الدولة ومؤسساتها وصيغة العيش المشترك بين جميع اللبنانيين، في حين كان بالامكان الاستفادة من الاخطاء والممارسات السلبية الضارة السابقة، لبلورة آلية تعاطي مختلفة عن السابق، تقرب بين جميع الاطراف اللبنانية من بعضهم البعض وتؤسس لمرحلة جديدة، يتم من خلالها مقاربة جميع الملفات والقضايا الخلافية بروحية منفتحة تمهيداً لوضع الحلول والمخارج المقبولة من الجميع بدون استثناء.
ويتوقع المصدر النيابي المعارض أن تشهد الأسابيع القليلة موجات من التصعيد المتدرج من قبل المعارضة اذا لم تتعاط السلطة بجدية في التحقيقات الجارية بمحاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس حزب «القوات اللبنانية» وتوفير كل مستلزمات مواصلة هذا التحقيق في مجراه الطبيعي والمعتاد، لا سيما بعد ظهور بوادر واشارات معينة من قبل بعض الوزارات كوزارة الاتصالات لاعاقة هذا التحقيق تحت حجج وذرائع واهية، إلا ان التصعيد المتوقع سيبقى محصورا في الجانب السياسي وعلى خلفية الأداء السيئ لمعظم وزراء الحكومة الميقاتية، ان كان في معالجة الملفات الاجتماعية الفاشلة او في السياسة الاقتصادية والمالية المتعثرة او الملفات الفضائحية كملف الكهرباء والاتصالات التي باتت تشكل نقطة الضعف الاساسية للحكومة في ظل تفاعل الخلافات العلنية والمستوردة بين الوزراء المعنيين فيها، او عدم القدرة على معالجة الملف الامني على الحدود السورية – اللبنانية وفي اكثر من حادث وقع كان اخر حادث اطلاق الجيش السوري النار مباشرة على الفريق الاعلامي اللبناني التابع لتلفزيون «الجديد» وادى الى استشهاد المصور علي شعبان.
ولكن بالرغم من كل المستجدات الأمنية وخطورتها والتحرك السياسي للمعارضة رداً على ما يحصل، فإن تبدل المشهد السياسي الداخلي وتغيير الواقع السياسي برمته، يبقى محكوماً بما ستؤول اليه الأزمة السورية التي يبدو ان أمدها سيطول أكثر مما هو منتظر، وتداعياتها لا بد وان تنعكس بشكل او بآخر على الواقع السياسي الداخلي مهما حاول بعض الاطراف إنكار هذه المؤثرات التي ستطال مواقعهم في النهاية