13 نيسان ذكرى الحرب. تنذكر وما تنعاد. هكذا هم يقولون.
سأكتب عكس ما "يجب" ويتوقعه الجميع، وما تفرضه "آداب" الكتابة حول هذا الموضوع. أنا أقول تنذكر و… تنعاد!
أنا غاضبة ثائرة، بعدما كنت حزينة وحائرة. أقف أمام تلك البوسطة في عين الرمانة والتي يلعنها الجميع، أحاول وبالقوة استنهاض مشاعر الكراهية أو الاستياء منها، اقول انها السبب في حرب أهلية شرسة، ولخراب الوطن ولاستشهاد الالاف و… وكل ما يتبع ذلك…وأجدني امعن في مناجاة البوسطة، هيكلها العظمي، ما تبقّى منه. هي بوسطة الذاكرة. ذاكرة اللبنانيين المثقوبة غالبا، اللاهثة خلف الشعارات الكبيرة الطنانة الفارغة، من دون الالتفات الى المضمون الفعلي العميق.
اللبنانيون يريدون أن ينسوا تلك البوسطة، وأنا عكسهم أتمسّك بها، واليوم أكثر من أي وقت مضى، وأظن ان كثرا مثلي لكن، وكالعادة، لا يبوحون. لماذا أكرهها؟ لماذا اطلب انو تنذكر وما تنعاد؟
هل أطلب أن يعود المسلحون الفلسطينيون ليحتلّوا بيروت وتل الزعتر وسواها، ويجعلوا من جونيه ممرا الى فلسطين، من دون دخول المقاومة المسيحية انذاك لمواجهة المخططات الجهنمية التي كانت مرسومة للبنان والتصدي لها؟
ما كان الافضل، الحرب وما يتبعها، ام الاستسلام وترك لبنان طعما للطامعين وتغيير وجهه الحضاري والانساني والجغرافي؟
هل كان يجب ان تكمل البوسطة المحمّلة مسلحين فلسطينيين، طريقها بسهولة وببساطة الى مخيم تل الزعتر لتمده بالمزيد من السلاح من دون أن يتصدى لهم مقاتلو الكتائب اللبنانية؟
هل كان هناك خيار اخر غير المقاومة لردع من يحملون ممحاة لمحو لبنان عن خارطة البلدان الحرّة؟
لا أريد أن أمحو بوسطة عين الرمانة من ذاكرتي، ولا من ذاكرة أطفالي وكل الاجيال. مواجهة بوسطة عين الرمانة وسام شرف على صفحة تاريخ حديث لولاها لاختفى ذاك اللبنان.
امجّد ذكرى تلك البوسطة. هي ذاكرة مناضلين مقاتلين أقوياء شجعان، ذاكرة انطلاقة المقاومة اللبنانية التي أعادت لبنان الى لبنان. أكثر من ذلك، ومرة ثانية، تنذكر وتنذكر وان كانت الاستعادة بالنسبة للبنانيين مرفوضة.
لكن من جديد لبنان في دائرة الحرب. حرب باردة وقحة في ظاهرها، لكنها حرب تنفث السموم المميتة، تملأ فضاء لبنان بالخطر، الخطر الشديد. هي حرب لابتلاع الجمهورية، حرب لمصادرة أراضيها، حرب لتغيير وجهها الديمغرافي والحضاري، حرب شرسة بكل ما للكلمة من معنى، لمصادرة لبنان الارض المقدسة، فهل نقف مكتوفي الايدي؟
صار يلزم ثورة غضب. صار يلزم ضابط ايقاع فعلي حاسم لهذه الغابة المتفلّتة، من كل قيود القانون والعدالة واحترام السيادة وانجازات بوسطة عين الرمانة وثورة الارز وما شابه…"انجازات" بوسطة عين الرمانة وبالفم الملآن.
يا هالبوسطة الصدئة، المركونة الى زاوية ذاكرة يعلوها غبار الايام، لا تزعلي، لكِ من يحضنك ويمسح عنك رذاذ اللعنات الغبية، المنهالة فوق بقاياكِ، وهم لا يعرفون ان هذه ليست بقايا، بل هي من جديد شعلة لثورة حق جديدة، وان اختلف المسلحون والثوار، المحتلون والمحرِرون، الطامعون والمتصدّون… لا تزعلي من لعنات الايام، الناس تخاف الحروب وان كانت حروبا على الظالمين، لكن حسبك ان لك في التاريخ زاوية، ولنا من الزاوية حكاية، هي كل الحكايات، حكاية نضال وأبطال وثوار، ما زالوا على الخط يحاربون وسيبقون انما من دون نار وبارود ولا بوسطة، فقط بسلاح الحق والحق كما يقول يسوع سيحررهم.
